
الحكاية الورادة أدناه ليست قصةً قصيرة كُتبت كعملٍ أدبي، ولا هي شِهادة أمينة عن الوقائع المحكية، بل هي مزيج من الاثنتين. شهادة تخللتها بعض تقنيات القصّ الأدبي والتخييل، لا فقط لملئ الفراغات، ولكن بالأساس للتأمل في بعض الأوضاع الاجتماعية في لحظة تاريخية بعينها. والتخييل لا يعني فقط إضافة التفاصيل، بل يعني الحذف أيضًا، وربما دمج موقفين متباينين في مشهد واحد، مع حذف اشخاص أو دمج أكثر من شخصية في شخصية واحدة إن كانوا يحملون جميعًا نفس الدلالات المقصودة، فضلًا عن تغيير الأسماء بالطبع! ولطالما كان التخييل القصصي أداة ناجعة في علم الجريمة، فلم لا نجربه هنا لدراسة تلك الأوضاع..
هي حكاية عن لحظّة شديدة الخصوصية في التاريخ المعاصر، تسبق انصرام القرن العشرين والألفية الثانية من ميلاد المسيح ببضع سنوات. وأستطيع أن أقول إن القرن العشرين كان ينتهي فعليًا وقتها قبل نهايته الرسمية. فاعتبارًا من 1997 بدأ الإنترنت يُتاح فعليًّا للأفراد في مصر، بعد أن كان مُقتصرًا على شبكة الجامعات المصرية، ومركز معلومات مجلس الوزراء. وبدأت وسائل الإعلام الرسمية تنتقل في 1998 للتسجيل والأرشفة الرقمية عوضًا عن النُظُم التماثلية القديمة، وهي نقلة كونية قطعت في ظنّي مع عالم استمر من عصر الحفر على جدران الكهوف حتى تلك اللحظة قرب نهاية الألفية. وللمفارقات الغريبة فإن “دار التحرير” الصحفية التي تُصدر جريدتي الجمهورية والمساء، والمشهورة برداءة محتواها الصحفي، كانت أول مؤسسة إعلامية تنتقل إلى العصر الرقمي قبل مؤسسات الأهرام وأخبار اليوم وماسبيرو، أعتقد منذ 1996، وربما لاتصال مباشر مع مجلس الوزراء. لم يعد العالم بعدها إلى ما كان عليه والتبعات لنّ نراها نحن.
وبإمكانك أن تتخيَّل أي قلق وجودي كان يعصف بالجيل الذي شهد تلك اللحظة. لم تكن علامات هذا الانقلاب الكوني مقروءةً في الواقع، ونستشعرها فقط في أجسادنا. وبإمكانك أيضًا أن تتخيل ما التقطته حساسية الجيل الأسبق ووسائله الواهية للتشبث بما ألفناه جميعًا، بالإعلاء من قيمة أسوأ ما فيه على سبيل مقاومة الغرق. والحكاية المسرودة هنا تتعلق ببعض الأشخاص من هذا الجيل المِفصلي؛ عاشوا بقدم في عصر وقدم في عصرٍ آخر. حاولوا خلق خليةٍ للعيش المشترك بقيمها الداخلية، في قلب المجتمع الكبير، وعلى هامشه في نفس الوقت. وقد قابلتهم شخصيًا في ضاحية حلوان القاهرية، صيف عام 1995.
لم يكونوا من سكّان حلوان الأصليين. وفدوا إليها من شمال القاهرة، عند نقطة خروج ترعة الإسماعيلية من النيل والتقاء ضواحي شبرا أقصى الشمال بضواحي القُبة في الشرق. من منطقة الأميرية، حيث كان مصنع “إسكو” البائد ذات يومٍ مصنعًا ذا وزن له فريق كرة قدم يلعب في الدوري الممتاز، ومنه خرج كابتن المنتخب الوطني حمدي نوح، لاعب المقاولين العرب لاحقًا.
من ضاحية صناعية جاءوا إلى عاصمة الضواحي الصناعية؛ حلوان. وبحلوان تعددٌ كبير في أنماط المساكن. وبها صُكَّ مصطلح “بيوت الأهالي” تعبيرًا عن البناء العشوائي الذي توسّع شمالآ وجنوبا حول المنتجع الشتوي الاستشفائي السابق، فالتهم ريفه المحيط. وكلمة “أهالي” في هذا التوصيف تميّز المعمار الشعبي الذي ابتناه مهاجرو الريف، عن مربعات كاملة لإسكان الموظفين والعمّال أنشأتها الحكومة أو الشركات التي تدير المصانع في فترات متتابعة. وبين هذا وذاك كانت لا تزال بيوت وفيلّات الطبقة الوسطى والبرجوازية القديمة موجودةً في قلب الضاحية بشوارعها الواسعة المحفوفة بأشجار كافور متباعدة. وبسيطرة الحسّ الصحراوي على الحيّ على الرغم من أشجاره والريف القريب إلى الجنوب والنيل كحدّ مائي في الغرب. درجة لون السماء التي صبغتها مداخن ما لا يقل عن خمسين مصنعًا كانت تميل إلى الاصفرار، ومع المعمار العتيق والمتصدع للبيوت والفيلات الصغيرة يبدو المشهد دائمًا كأنه في فيلم قديم أو صورة بالأبيض والأسود من درجة السيبيا. ولبعدها عن قلب المدينة أيضًا، كانت حلوان إذن مسرحًا ممتازًا لتلك المحاولة الاجتماعية.
سكنت المجموعة بيتًا أنيقًا في تواضع. يشبه إلى حدٍ كبير بيوت الألف مسكن في منطقة حلمية الزيتون. شقة بدور أرضي من ثلاث غرف وحديقة خلفية لا تزيد مساحتها عن ثلاثة أمتار في أربعة. نمط من الإسكان العمّالي تم تدشينه في وزارة الوفد الأخيرة، وزارة طه حسين! تم تجريبه في إمبابة وحلمية الزيتون وحلوان. يوتوبيا عمّالية ستضمحل لاحقًا مع استيراد المعمار السوفييتي الشمولي للكوارث التي رأيناها لاحقًا في عين الصيرة والدويقة وحلوان نفسها، حيث طوّقت تلك المستطيلات الصفراء المتماثلة نمط السكن العمالي الوديع ذاك، وبيوت الطبقة المتوسطة بدرجاتها.
تعرّفت إلى طارق جلال رأس تلك المجموعة على مقهى الحرية في باب اللوق عن طريق مصطفى غُراب صديقي، وهو قد عرفه أثناء تزاملهما في دراسة اللغة الألمانية بمعهد جوته. يعمل طارق “قائد فوج” في السياحة، وهي وظيفة أقل بدرجة من المرشد السياحي، في زمن ازدهار تلك الصناعة ما قبل حادثة الأقصر 1997، يصاحب مجموعات السيّاح، ويُنهي اجراءاتهم في الفنادق والمزارات، ويرتب تسوّقهم من بازارات بعينها من تجار العاديات والتذكارات، لقاء عمولة عن المشتريات يتقاسمها مع المرشد السياحي وسائق الباص. وفوق كونه من أهل السياحة، فهو مترجم وكاتب بصدد العمل على روايته الأولى.
في ذاك الزمن، منتصف التسعينات كنتَ تسمع تلك الجملة كثيرًا، وأنا نفسي كنتُ أرددها: “أكتب رواية حاليًا”. وكان إنجاز الرواية الأولى مسألة سنين! ولذا فقد اعتبرته زميلًا، لا فقط في الكار، لكن أيضًا في هذا الهمّ الثقيل. كانت الرواية لجيلنا عملًا تأسيسيًا، لابد أن تحفر لنفسك مكانًا وجوديًا عبر كتابتها. من كلامه فهمت أنّه يفكّر بنفس الطريقة وتحمّست لقراءة ما كتبه حتى الآن. لاحظت اعتناءَه الجيِّد بجسده مفتول العضلات، عندما أبدى ملحوظةً (اعتبرتها صفيقة) عن نحافتي التي أرجعها إلى نمط حياة هبائي يتسم به مثقفو “وسط البلد”، بالتدخين الكثير والإفراط في شرب الخمر والتصعلك حتى الصباح في الشوارع! كان يقترح نوعًا من “الصوابية” قبل شيوع هذا المفهوم، ومع بزوغ نزعة كمال الأجسام وانتشار ثقافة الجيم في كل أركان القطر. صحَّحت له أنني أشربُ وأدخن في غير إفراط، وأنني لا أحب التصعلك بطول الليالي كما تخيّل وأصدر حكمه.
العالم الذي ورثناه من نهاية الثمانينات كان لا مجال فيه للتفكير المسيّس؛ وإن وجد فبشكل فولكلوري مُستعار من أزمنة سابقة يجيب على أسئلة تبدو خالدةً ، ما أفقدها طابعها السياسي/التاريخي، أو ليقدم تفسيرات خاضعةً باستسهال لمنطق المؤامرة التطهري. لم يكن هناك سؤال حول مطلب حياتي أو حقّ فردي، فهي كلمات بذيئة في عرف إيديولوجيات سيطرة لا تضع الوحدة الأصغر لأي تجمع إنساني في حسبانها، وتفضِّل مخاطبة وقيادة الكُتل الصماء. وكان الميراث المفجع لهزيمة 67 لا يزال في الجو نتنفسه دون أن نعي، نحن من ولدنا بعد الكارثة، لم نكن ندرك بوضوح حجم الحليب الذي انسكب عند منعطف ما، فملأ الأفقَ “جراحًا وأنينًا”!.
حكى طارق عن رحلته بالدراجة بطول مصر من أدنى الدلتا لأقصى الصعيد! قلتُ إنني أحب أن أقوم برحلة مماثلة لكن لا على دراجة، أفضّل أن أكون في سيارة أو متنقلا بين القطارات. ربما كانت رحلة بالدراجة ممتعة لأربعين أو خمسين كيلومتر، لكن ألف؟!! المجاهدة له كانت شرط الرحلة، مجاهدةٌ بلا مرجع ديني، وإن تكلّم عن تعلّقه في مراهقته بتنظيم الجهاد! ومع انتهاء حقبة دراسته الثانوية ودخول جامعة القاهرة، تغيّرت أفكاره، خاصة بعد تعرّفه إلى “مكرم” فنان المسرح الفوضوي الذي فتح عينيه على عوالم جديدة وقراءات مختلفة أسهمت في تشكيل وعيه وخلقت منه الكاتب الجالس أمامنا في مقهى الحرية! قال إنّه قرأ رواية سيد هارتا لهيرمان هسه فقرر تعلّم الألمانية، وعندما أنهى الكورسات في معهد جوته عمل بالسياحة، ومن خلال عمله تعرّف على زوجته الألمانية “هيلدا” المقيمة معه حاليًّا في حلوان. ودُعينا، كشباب أعزب في طور التخبّط على المقاهي أنا وغراب وأصدقاءنا الآخرين، لزيارة منزله، لتناول العشاء وقراءة النصوص في مساء قريب. ودائمًا ما تستهويني الدعوة إلى جلسات القراءة.
قابلتُ الأصدقاء على محطة مترو المعادي ثم واصلنا معًا حتى حلوان. غراب وحازم ووحيد ومنال وأنا. باعتباري من سكّان جنوب القاهرة، والمعادي هي الأخت الصغرى لحلوان، تولّيت إرشادهم في الحيّ الذي كان بعضهم يطأه للمرة الأولى. جاءوا جميعًا من أحياء متفرقة. منال ووحيد كانا على ذمّة علاقة عاطفية، في حكم المرتبطين. أعمارنا تتراوح بين الخامسة والعشرين والثانية والعشرين. ربما يكبرنا طارق جلال، المضيف بعامين آخرين. اقترحت منال بشيء من الإصرار أن نشتري بضعة كيلوهات من فواكه متنوعة كي “لا ندخل بأيدينا فارغة!”. وتلك كانت أولى علامات الانتقال العمري نحو آداءات مؤسسات الأسرة البرجوازية، تتسرب تلقائيًا وببطء من طقوس “بريئة” لتبادل الزيارات، ما سنسميها لاحقًا، وبسخرية: طقوس “الأسر المنتجة”.
حملنا الأكياس الورقية البنية الشهيرة ممتلئةً بالبرقوق والخوخ، وسرنا في شارع شريف المتعامد على ميدان المحطة نحو شرق الضاحية المتاخم للصحراء، حيث الحديقة اليابانية ومستشفى حلوان العام بمبناه القديم المرعب. ثم الإيغال حتى بلوغ مصحة بهمن النفسية ومرصد حلوان بقبته الصغيرة وأنبوب التلسكوب المتطلع إلى السماء. وعند حدود صحراء الأوتستراد انحرفنا يسارًا باتجاه مساكن الشركة. تُعرف بيوت الشركة بالمساكن البيضاء في مقابل المساكن الحمراء والواقعة بغرب الضاحية ناحية شارع رايل الأقرب للنيل. وصلنا أخيرًا، وكان وقع البيت علينا جميعًا طيبًا. الحديقة الصغيرة والباب المفتوح عليها يوفران ضوءًا نهاريًا رائقًا ونسمة لطيفة في تلك الساعة الصيفية بين العصر والمغرب داخل البهو الذي يتوسط الغرف الثلاثة. في تلك الغرفة المتسعة نسبيًا جلسنا. كان هناك عدد كاف من المقاعد الكبيرة ذات المسندين مختلفة الطرز والألوان كأنها جُمِعت من “خرج بيوت” متعددة. بخلاف طارق وهيلدا كان هناك زوجان آخران أصغر عمرًا، ببداية عشريناتهما وربما كانت إحدى الزوجتين أصغر من ذلك أيضًا، تبدو كفتاة بسنوات الجامعة الأولى أو لا تزال بالثانوية. وصلت تلك الزوجة الصغيرة بعدنا بقليل، وفهمنا أنّها كانت في رحلة بحث عن عمل طوال اليوم، وأنها تلقّت وعدًا خيرًا من مدير إحدى الشركات، وستستعد لاستلام العمل أول الشهر القادم. فهمنا بعد قليل أن الزوجين الآخرين يقيمان بنفس البيت مع طارق وهيلدا. كانوا ثلاث أسر شابة تتشارك تلك الشقة الصغيرة ذات الحديقة، كلٍ في غرفة.
لا أذكرُ الطعام الرئيسي الذي تناولناه في ذلك الغداء المتأخر أو العشاء المبكر، ولكن أتذكر اختراعًا يخصّ عالم الفواكه قدمته لنا هيلدا وفكرتُ أنّه من صنيع الألمان الجبابرة. كانت قد أفرغت بطيخةً من كامل لبابها الأحمر وبذورها ثم قطعت اللباب إلى مكعّبات صغيرة بحجم زهرة النرد وأعادت حشوه مثلجًا ومخلوطًا بحبوب الرُمّان المفروط والنظيف في كرة اللحاء الخضراء مشطوفة القمة لنغترف من تلك المادة الحمراء المنعشة في كؤوس. وأدرنا بالطبع الحوار مع هيلدا التي ما كانت تعرف حرفًا في الإنجليزية وتحاول أن تتكلم العربية بصعوبة فيسعفها زوجها بالترجمة حين تعطل. وحين سألها أحدنا عن عدم معرفتها للإنجليزية على عكس الألمان الذين رأيناهم وجميعهم كان يتحدثها بطلاقة، قالت إنها نشأت في قرية صغيرة مجاورة لبرلين كانت في الشق الشرقي من البلاد الذي عُرِفَ حتى عام 1989 بألمانيا الديموقراطية وما كانوا يدرسون الإنجليزية هناك. وعندما سقط السور وتوحَّدت المدينة الكبيرة كانت تدرس وقتها اللغة العربية في جامعة برلين الحرّة، فانفتحت الحياة أمامها بشكل مخيف، ووجدت نفسها ضائعة في عالم “الديموقراطية الغربية” الحقيقي! حتى الشطر الشرقي الذي كانت تألفه من المدينة أخذوا يغيرون معالمه بوتيرة سريعة، لمسح الطابع السوفيتي. في المدينة الجديدة وجَدَت أشياء غريبة: أحزاب سياسية! وكنائس كثيرة لطوائف متنوعة، وأجانب، وبشر يتحدّثون بالإنجليزية، وشباب بانك وشباب هيبي، كل شيء كل شيء حتى أنه لديهم محافل ماسونية مُعلنة، وكان ثمة شباب يُبشّرون في الشوارع بديانة مستحدثة يسمّونها “الساينتولوجي”! دنيا كاملة كانت تبعد عنهم عدة أمتار فقط ولا يعرفون عنها أي شيء. عالم بأكمله في اللاوعي بالنسبة لهم، أم هم من كانوا في لاوعيه؟!. قالت إنّها جاءت إلى مصر لتعمل وتستكمل دراسة العربية ووجدت في الروح الشمولية بها شيئا أليفًا وأحست أنّها في مجتمع تعرفه.
من المعلوم أن الشقة – وإن كانت مؤجّرة – تؤول إلى طارق وهيلدا، لكن أفراد الأسرتين الأخريين الأربعة كانوا يتحركون في ذلك الحيّز الجماعي بأريحية من يتحرّك في بيته فعلا. عادت تلك الفتاة الشابة أو بالأحرى السيدة، من الخارج، وبعد التعارف علينا جلست على أحد المقاعد الكبيرة وسطنا، خلعت حذاءَها الرياضي والجورب وشرعت تحكي رحلتها اليوم في البحث عن عمل، ثم بعد أن وجّه لها طارق بعض النصائح من موقع خبرته، قامت حافية القدمين، لتلحق بهيلدا في المطبخ.
كان غراب صديقنا ومدخلنا إلى عالم طارق جلال يستمع إلى الكلام صامتًا كعادته ويميل رقبته على كتفيه في حركة عصبية كل عدة دقائق، كنتُ وحازم نفتح استفهامات حول معيشتهم معًا بشكل ضمني، وكأننا استقبلنا نمطًا اجتماعيًا مألوفًا نراه كلّ يوم، ولكننا نستفهم فقط عن التفاصيل الداخلية. كان شكل الأسرة كخلية اجتماعية محلّ تساؤل لدي ففوجئت هناك بأسرة بثلاثة رؤوس. أما منال ووحيد فكانا يدرسان الوضع عن كثب. منال تبتلع كلّ التفاصيل بعينيها المندهشتين، ووحيد معجبٌ بتجربة التحرر من قيود الزواج التقليدي التي تفرضها العائلات في مصر.
بدا طارق جلال زعيم المجموعة بوضوح، ففضلًا عن كونه صاحب البيت، كان الأكبر سنّا وصاحب الكلمة العليا في المكان. عرفنا أن الزوجين الشابين كانا من أبناء جيرانه في الحيّ القديم، الأميرية، وكان هو قائدهما ومعلمهما في فريق الكشّافة بمركز الشباب. وبالتقدم في العمر زالت فوارق السنوات القليلة وأصبحوا جميعًا أصدقاء، في المسجد وحلقات الدرس الديني و في مركز الشباب، وفي مقولة “يا دنيا غُرّي غيري” التي كانوا يلهجون بها وهم يدورون في مضمار العدو حول ملعب الكرة، أو في صالة رفع الأثقال التي لم يكن اسمها قد تفرنج للمصطلح اليوناني القديم: ݘيم. دخل طارق الجامعة قبلهما بثلاثة أعوام، وعندما انتقل من عالم المسجد والبنطلونات المكفكفة إلى عالم المسرح والروايات المترجمة على يد صديقه مكرم، انتقلا معه بتحويل الشغف من مجال لآخر. وبينما هما لا زالا يدرسان أحبا هاتين الفتاتين، وتزوجا منهما فور تخرجهما ضد رغبة آباء جميع الأطراف، بالهروب معًا من بيوت ذويهم، والإقامة الجماعية لدى طارق وهيلدا، وتدبير المعايش بكافّة الطرق المتاحة دون إخلال بالشرف! لم تكن الزوجتان محجبتين. تساءلت بيني وبين نفسي هل كانوا بالفعل في تنظيم الجهاد؟ أم كانوا في جماعة أقلّ راديكالية كـ “التبليغ والدعوة” مثلًا، ويقولون الجهاد ليكون لذلك وقعًا قويًا علينا.
وكان لا يمكن لأمسية القراءات أن تبدأ دون أن يحضر مكرم، عرّاب العرّاب. وجاء فعلًا! أحدث قدومه ابتهاجًا وسعادة لدى أهل البيت جميعا، حتى الزوجتين الصغيرتين، واللتين لم تعرفانه إلا من فترة قريبة، كما خمنت من نثار الحكايات. واستقبل مكرم هذا الاحتفاء بتواضع متعال لملك لم يزهد بعد في فرط التبجيل. جلس على أحد المقاعد وأخذ يتمطىّ ويشدّ أطرافه كأنّه استيقظ للتوّ من نومٍ طويل مريح.
في ذلك العُمر، وذلك العصر، كانت مجموعة الأصدقاء، أو “الشلّة” بالتعبير المصري، وحدةً اجتماعية أساسية، كيان يحمي داخل جدرانه الدافئة غير المرئية الذوات التي تتعثَّر في بقايا مراهقتها. أنتَ لا تصبح هنا ممثلًا لنفسك تماما إذ تلتقي بالعالم خارج المجموعة. أنت بشكل ما تمثِّل المجموعة. كان المجتمع الكبير بأكمله يخرج أيضًا من تحت عباءة الكلّيات الكبيرة ولا يجد مواطنوه طريقًا نحو فرديتهم التي لم تتبلور على المستوى الوجودي ولم تترجم لحقوق أو واجبات على المستويين الأخلاقي والقانوني. تطفر الأنانية هنا كتعبير أمثل عن الفرديات غير المكتملة. وتنشأ تلك الوحدات الاجتماعية المصغرة لتتضام هذه الأنانيات في إطارها (والتضام غير التضامن، إذ ينطوي الأخير على معنى إيجابي موجه للفعل يفتقر إليه التضام كفعل مكتف بالانكفاء والحماية الهشّة ضد هجمة الخارج). عند انقلاب القرون، وعلى أعتاب كون جديد سيقطع مع العصور الحجرية التي عشناها حتى نهاية العصر التماثلي، تصدّع المجتمع الكبير، وانكشف عاريًا هزيلاً بلا غطاء من أي نوع. لم يتبق من ميتافيزيقاه القديمة إلا تعريف بالسلب. لتتسم علاقته مع العالم بالسلب أيضًا: ما نسلبه من العالم، لا ما سنضيفه إليه. فتفتت الكيان الجمعي إلى تلك الشظايا الصغيرة. التحام تلك الشظايا الاجتماعية المبعثرة كانت طريقة الاندماج البشري، وبالتأكيد فأنت تحتاج إلى صُدفة حسنة بين آلاف الاحتمالات لتتوافق أبعاد شظيتين فتلتحمان كقطعتى بازل متكاملتين، فينتج عن ذلك كيانٌ جديد. وداخل ذلك الكيان الجديد تنبني تحيزات جديدة وتنفصل كتلُ وأشخاص ويتم الإقصاء الصامت. وعادةً ما تُستبعَد الأطراف الأضعف والتي ستشكل عبئًا على المجموعة، أو الأطراف الأقوى التي لا تخضع كليةً للمنظومة المهيمنة لتمتعها بنصيب من الفرديةً أكثر تبلورًا.
كان لقاؤنا بتلك المجموعة نوعًا من تلك الاختبارات لتقارب الشظايا الاجتماعية، شلّةٌ تلتقي شلّةً. ليست مجرد سهرة أدبية ومأدبة عشاء بين جماعتين من الأصدقاء، بل ميكانيزم اجتماعي متكامل. وكان وصول مكرم هو قمّة لحظة الاختبار.
توارى طارق جلال في ظلّ مكرم كما يتوارى وزير في حضرة مليكه، والملك عادة يملكُ ولا يحكم. ينزل من عليائه كلّ فترة ليتفقد الرعيّة ويمتعهم بطلّته، ثم يعود إلى احتجابه وتظل الأمور في يد الحكومة. بدا مكرم مرجعيةً ثقافية وأخلاقية للمجموعة. قُدِّمَ لنا باعتباره من أعمدة مسرح الجامعة في كلية الإعلام. لكننا كنا بالجامعة في نفس الفترة، ونعرف نجوم المسرح بمختلف الكلّيات: كان هناك خالد الصاوي والراحل خالد صالح في مسرح حقوق، وقد صارا لاحقًا من نجوم السينما، وفي مسرح آداب كانت نورا أمين والراحل محمد ابو السعود وبرزا لاحقًا في سياق المسرح التجريبي والمستقل. لكن مكرم كان وجهًا جديدًا علينا واسمًا لم نسمع به إلا عن طريق طارق. كان مكرم نجمًا داخل هذه المجموعة، لا بسبب ما يمثله خارجها، بل داخلها.
أعلن الأداء الجسدي الذي افتتح به مكرم دخلته على الجلسة عن مكانته فيها، و بشكل أدق رسم حدود منطقة نفوذه المعنوية: التمطّي الكسول ومدّ الأطراف تمهيدًا لجلسة مسترخيةً يقظة بعد مجيئة من مكان بعيد. كان طويلًا نحيفًا، شعره أشقر طويلًا، وبنظارة مستديرة. يرتدي “ترينيج سوت” من الساتان الأبيض. بجواره طارق جلال ربعة مفتول العضلات بنظارة مستديرة مماثلة وشعر أسود قصير. ثم الزوجّان الشابّان، وزوجتاهما وكانوا أصغر الموجودين عمرًا، ولم يكن للشابين أي شخصية مميزة على عكس زوجتيهما وكانتا لطيفتين تبديان “جدعنةً” شعبية وذكاءً فطريًا. من ناحيتنا كنتُ وغراب وحازم ووحيد متقاربي القامة أقرب للطول والنحافة ببشرات تتراوح بين الأسمر والقمحي. غراب كان أقصرنا، ووحيد أكثرنا امتلاءً. أمّا منال، فكانت جميلةً تخفي أنوثتها الناعمةَ الرقيقة خلف ملابس ذكورية أقرب لطراز الكشّافة بالبيرية العسكري الأزرق يبدو من تحته شعرها البنيّ المائل للذهبي ملموما متقشفًا. وإلى جانبها حقيبتها متخمة بالكتب لونها زيتي كجربندية عسكرية. وتُلزم منال نفسها عادة بهذا الزيّ، لا سيّما أنّها كانت دائمًا فتاةً وحيدة وسط سرب من الذكور. وهكذا تقسّمت الجلسة في الغرفة بالتساوي، كل مجموعة تشغل نصف دائرة على محيطها، على المقاعد الكبيرة متباينة الألوان والطرز، وهيلدا تنقّل عينيها بين المتكلمين تحاول أن تفهم قدر استطاعتها.
بدأتْ القراءةُ. قرأنا أنا وغراب وحازم ووحيد، فيما امتنعت منال متحججةً بأنّها تريد أن تستمع للأصوات الجديدة، لكن لم يقرأ من ناحيتهم سوى طارق نفسه. قرأ جزءً من الرواية التي هو بصدد كتابتها. كانت كتابة تقليديةً، للذات فيها حضور محوري كغالب كتاباتنا جميعًا وقتها، وإن اتسمت تلك الذات بشيء متعالٍ، وكأنّها ذات نيتشوية تُجاهد لتخرج من عُصاب ضرب عرقًا بأكمله، وهي في رحلة صعودها لا ترتقي سلّمًا روحيًا؛ بل تخرج من ظلمات كابوس كوني إلى سطح الواقع العادي اليومي. لا أذكر من تهويماته التي كُتبت بلغةٍ متأثرة بكتب السلفيين الصفراء سوى مشهد وحيد، كان الرواي/الكاتب فيه يقدّم العشاءَ لأبيه المحتضِر، وبعد أن أنهى الأبُ طعامه، رفع الابن صينية الأطباق ووجد عليها ربع رغيف من الخبز البلدي عليه آثار قضمة أبيه برسم أسنانه. فأخذ قطعة الخبز واحتفظ بها لتيبس في درج مكتبه كأثر يبقى من جسد أبيه بعد زواله المحتوم والقريب. كان مشهدًا قويا – على الأقل بالنسبة لي – وسط باقي سرده الذي تبخّر من ذاكرتي بتمامه. قرأ غراب قصة كمجمل قصصة في تلك الفترة عن علاقة حب من طرف واحد، وتحمل كل قصة من قصصه موقفًا مختلفًا من تلك العلاقة البائسة. وحكى حازم عن صديقين يلتقيان على أطراف العالم بعد معركة تلقى فيها أحدهما ضربًا مبرحًا من عصابة لصوص، وقرأت أنا أيضًا جزءً من روايتي “الأولى”! ومرّ كل ذلك مرور الكرام بتعليقات مقتضبة أقرب إلى عدم الاكتراث منها إلى الاستحسان أو الاستياء. ثم جاء دور وحيد، ويبدو أن هنا كانت النقطة الأضعف التي سيحدث عندها الاحتكاك الحقيقي التي لن تعود بعدها الدائرتان إلى ما كانتا عليه قبلها.
لدى هواة تربية الحمام لعبةٌ شائعة في الأحياء الشعبية التي تكثر فيها “الغيّات” أي بيوت الحمام الخشبية التي تقام على أعمدة مرتفعة فوق أسطح العمائر. في ساعة معينة بين العصر والشفق يصعد الهواة فوق بيوت الحمام ليطيرّوا أسرابهم. يحرِّكونها كقواد الأوركسترا تلويحًا بالرايات الحُمر فتلفّ الأسراب في دوائر وتشكيلات في سماء الحيّ. ويفوز من اللاعبين من ينجح في خطف فرد حمام أو زوج من سرب جاره فيضمه إلى سربه. وكعُرْف بين أبناء الهواية، لا يُعاد الحمام المخطوف إلى صاحبه. فكما تدين تُدان! خُطِفَ منك فردٌ اليوم غدًا قد تخطف أنت زوجًا. وهواة الحمام يتكلّمون دائمًا بالأفراد والأزواج.
قرأ وحيد قصةً إيروتيكية كعادته، وكما هو معهود أيضًا فقد كان هو بطلها، وبطلتها هي منال الجالسة بيننا، وإن موَّه التفاصيل جزئيًا. جاءت القصة مليئة بكلّ كليشيهات الذكورة الشعبية، من تناول المقويات الجنسية كشوربة الكوارع والحلاوة الطحينية والجرجير، حتى استعراض فحولة خارقة على مدار أحداث القصة التي كان إخفاق الفتاة المعنية في الاحتمال هي نقطة حبكتها. وجلست منال مطرقةً يلفّها خجل عميق وهي تستمع، حتى أنها أخرجت كتابًا أجنبيا من حقيبتها ودفنت وجهها فيه. بعد أن انتهى وحيد، أبدت المجموعة المضيفة استحسانًا صريحًا للمرة الأولى، وحتى الزوجتين الشابتين، هتفت إحداهما استحسانًا “واو!!” بالطريقة الأمريكية. كانت الجرأة اللغوية وتسمية الأشياء بأسمائها هو غالبًا سر تلك “الواو” ! علّق حازم على الحسّ الذكوري الطافح في النص وكانت تلك نقطة البداية. انبرى مكرم وطارق للدفاع، لم يدافعا عن النصّ لكن عن وحيد نفسه. قال مكرم أعجب ما يُمكن أن يقال في هذا الصدد: “الراوي عنده طاقة وفحولة زيادة إنت إيه مشكلتك؟!”
لا تُسفر دائمًا تلك الاحتكاكات عن الاندماج الكامل بين شظيتين، بل قد يكون الدمج جزئيًا على طريقة خطف السرب لفرد أو زوج حمام من السرب الآخر. وكان وحيد متبديًا في الاجتماع كـ”زوج” لكن فردته الأخرى انفصلت عنه في نفس اللحظة وفضلّت البقاء كفتى “كشافة” في سربها الأصلي. بينما قُرِرَ له هو أن يبدل انتماءه، وصار انفصالهما العاطفي مسألة وقت.
الحمام طائرٌ مونوجامي بطبيعته. يتزاوج من فرد واحد مرةً بالعمر لا تنفصم إلا بالموت. فيما الإنسان، ذكرًا وأنثى، لم يكتسب هذه الخاصية إلا مثاقفةً منذ نحو خمسة آلاف فقط من أعوام عمره التي تتجاوز المائتي ألف، إذا لم نأخذ في اعتبارنا الأشكال الأقدم من البشرية، كإنسان نندرتال مثلًا. وكان من الصعب الهجس بوجود مشاعية جنسية داخل تلك الكوميونة، فالجذور المحافِظة والانتماء الإسلاموي القريب ظاهرةٌ تحت السطح في بعض الأداءات التي تعلمنت، ولكنّها لم تفقد شعائريتها الخانعة لمبدأ كليّ مُفارق.
ظلّت منال طوال ذلك النقاش الرديء دافنةً وجهها في الكتاب، وفي هدأة للجدال التفت إليها الأقرب من الزوجين الشابين، وسألها عمّا تقرأ. كان الكتاب هو سيناريو مطبوع لأحد أفلام جان لوك جودار. منال تأخذ السينما بجدية كاملة، والتحقت بعد تخرجنا من الجامعة بمعهد السينما لتدرس السيناريو. وعندما عرف الشاب عنوان الكتاب لمعت عيناه وقال إنّه أيضًا سينمائي ولا يكفّ عن التفكير في الفيلم الذي يريد إخراجه. سألته منال أين درس الإخراج؟ فقال إنه قرأ كتاب أحمد كامل مرسي عن فنّ الإخراج من طبعة الهيئة العامة للكتاب، لكن آماله السينمائية لا يحتملها الواقع، وهو لا يملك الإمكانيات لتحقيق طموحاته. علّقت زوجة الشاب الآخر، حافية القدمين، متحسرةً: “وليد مخرج ممتاز والله… لازم ما يستسلمش!”. فردّ وليد: “علي قال: كنت رغم الصعب رامي نبض ذلي وانهزامي”. سألت منال مستغربةً: “علي مين؟! فرد وليد: “علي الحجار طبعًا!”. وأكمل الزوج الشاب الآخر “آه وده كلام الأستاذ جمال بخيت!”. وفهمنا أن الشاب الآخر بدوره شاعر يكتب بالعامية، وأنه أخذ قصائده وعرضها على “الأستاذ جمال” في مجلة صباح الخير، فأثنى عليها. كان كلَ رجال البيت من الفنانين إذن، وكل نسائه من مشجعيهم المؤمنين بموقعهم المتجاوز.
لم يكن “عليّ” مطربًا مُتداولًا في مجموعتنا نحن إلى هذا الحدّ، وبالتأكيد ليست أغاني جمال بخيت. لكنه كان حاضرًا بقوة في هذا المناخ. لاحقًا سيُسمي حازم هذه الشلّة بـ “الحجّاريين” مُحقًّا. ويبدو أن تلك الجملة السينمنتالية حول ” نبض ذلي وانهزامي..” من شعر بخيت، حرّكت شجون وليد بقوة، فواصل شكواه السينمائية في تصاعد منفعل: “أنا لو كنت رسّام كنت مسكت ريشة ورسمت.. أنا لو كنت شاعر كنت مسكت ورقة وقلم.. لكن أنا مخرج… مخرج… مخرج!!”. وساد صمتُ عميق بعدها.
هذا المونولوج المسرحي الذي ارتجله وليد ليس من إضافاتي الدرامية، لكنه حدث بالفعل، وهو دليل على نوع البلاغة السائد بين هذه المجموعة. وفي ذلك الوقت أيضًا شاعت فكرة إخفاء نوع عميق من البطالة خلف حلم مستحيل. لا أقصد هنا البطالة عن العمل والارتزاق. لكن البطالة بمعناها الوجودي. عطالة الروح. عرفت نحو عشرة أشخاص في زمنها يختبئون خلف صورة المخرج السينمائي بالذات، على مقاهي وسط القاهرة. بعضهم كان من الدارسين الموهوبين بالفعل، لكن الأحلام التاركوفسكية التي عبأهم بها الأساتذة في المعهد اصطدمت بعد التخرج بشروط الانتاج المستحيلة، وطبقية الوسط السينمائي التجاري، وغير التجاري أيضًا. وبعد أن رضيَّ الواقعيون منهم بالفُرص المتاحة في المحطّات التلفزيونية، أو في مجال الإعلانات، تبقى عباقرة الدفعات على المقاهي في حالة العطالة الشاملة خلف حجاب الحلم المستحيل. بعد عشرين عامًا من تلك اللحظة سينظر أحدهم حوله إلى الواقع الجديد ويكتب على الفيسبوك “منذ عشرين عامًا كنت أجلس على رصيف المقهى وأتخيل شاحنةً ممتلئة بالنقود ستتوقف أمامي”. هذا عن دارسي السينما الحقيقيين، لكن كان هناك أيضًا أمثال وليد ممن لم تتجاوز علاقتهم بها مجرد الفرجة، وصاروا “مخرجين” بقدرة قادرٍ، وادَّعوا تلك الهوية لسنوات وسنوات. تماما كما كان هناك على تلك المقاهي صحفيون لم يكتبوا حرفًا في أية جريدة. وفي أزمنة كان للمثقفين فيها أهمية سياسية، كانت ستحوم حول هؤلاء الشكوك ويصنّفون مباشرةً كـ “مخبرين” مدسوسين وكتبة تقارير لصالح الشرطة، لكن حتى تلك الهالة السيئة انعدمت، لتحرمهم من أي أهمية، سوى الأهمية الأوّلية التي يستحقّها أي كائنٍ حي، بالتضام داخل حدود الشلّة أو المقهى.
فيما أتى من أيام، صار وحيد وحيدًا بالفعل داخل مجموعتنا، ثم بدأ تباعده عنّا يتخذ آداءات عدائية؛ أحيانًا توجه ضدي وأحيانًا ضد حازم، فيما حافظ على خيط من الودّ مع غراب بمفرده، وانتهى ارتباطه العاطفي بمنال بشكل مأسوي قبل أن يتحوّل إلى خطوبة رسمية بخطوات قليلة، وعانت هي نفسيًا من تبعات العلاقة وطريقة انهيارها لفترة ليست قصيرة. ولا أعرف مدى توطّد علاقته بعد ذلك بتنظيم الحجّاريين، على الرغم من الأبسطة التي فرشوها لاحتوائه بينهم. وظنّي أنّ كل تلك الآليات للاستقطاب، وتوسعة جسد الشلة وتقويته، كانت تتم بشكل غريزي غير واعٍ. غريزة اجتماعية تكوّنت في ذلك الجيب التاريخي العميق بالشرق الأوسط. وبخلاف ظهوره في صورة الزوج ما جعله الأكثر استهدافًا، لم يكن تلاق الأرواح بين تنظيم الحجاريين وبين وحيد وليد الصدفة النادرة، فهو فقط من مجموعتنا من عاش مراهقته وسط تنظيم إسلامي، وتلقى تنشئةً مقاربة لتنشئة هؤلاء الشباب.
بعض من ورد ذكرهم هنا ماتوا في عزّ شبابهم بأسباب مختلفة، وكلّ من بقوا قيد الحياة غادروا مصر على فترات متلاحقة بمن فيهم كاتب هذه السطور. لم يكن بيننا لاجئ أو منفيّ، وكلٌ كانت هجرته إلى ما هاجر إليه، وإن لم يطلب معظمنا النجاح المهني بمفهومه البرجوازي الذي يصبو إليه المهاجرون عادةً. أما طارق جلال، وبعد مرور نحو عشرين عامًا على انتقاله للعيش في ألمانيا، فقد أمست صورته الشائعة بين من عرفوه أو تعاملوا معه أقرب إلى صورة النصّاب الدولي. ولم يطفر الاحتيال كموهبة سلبيةٍ فجأةً من الحاجة وشظف العيش في الغربة، ولكنه مسار طبيعي متسق مع كلّ المقدمات السابق ذكرها، وإن اعتورت تلك المقدمات ثغرات لم يفلح خيالي القاصر في إحكام سدّها لتبرهن دراميًا على هذه النتيجة، وأيضًا لإنني لا أجد الوقتَ أو الرغبة الكافيين لكتابة “رواية” مطوّلة عن مثل هذا الانحدار.
نُشرت للمرة الأولى في مجلة “أمكنة” العدد الثاني عشر، الإسكندرية ديسمبر 2019*