
خرجنا أنا وعاطف في بدايات المساء، بحثًا عن الوقت الطيب. الليلة منذورة لاكتشافٍ جديد. جلسنا على مقهى “قمر الزمان” في ثكنات المعادي نشربُ كوبين من الشاي قبل ركوب المترو. في هذا التوقيت من اليوم، تخفّ حركة الركاب من اتجاه حلوان نحو وسط البلد، فيما تزدحم القطارات في الاتجاه المعاكس بالراجعين إلى الضواحي بعد يوم عمل مرهق، نزلنا في محطة أبو الريش المؤقتة، فلم تكن محطة السيدة زينب الجديدة قد افتتحت بعد، نحن في شتاء عام 1988.
تغُصّ محطة أبو الريش، على غير عادتها في مثل هذه الساعة، بزحام شديد. كثافة من ريفيين بجلاليبهم الفلاحية رجالًا ونساء وأطفالًا حليقي الرؤوس. الليلة هي الليلة الكبيرة يا عمي، والعالم كثيرة. يُختتم اليوم مولد السيدة زينب بمهرجانه المتواصل منذ أيام. لأول مرة نحضر مولدًا أنا وعاطف. بالتأكيد رأيت بعض الموالد في طفولتي أيام إقامتنا في عابدين، لكنّها كانت موالد صغيرة تُقام على نطاق محدود بشارع أو حارة واحدة داخل الحيّ، كمولد الشيخ عبد الله في الحارة التي تحمل نفس الاسم متعامدةً على شارع الشيخ ريحان قريبًا من وزارة الداخلية، أو مولد الشيخ حمزة في شارع البلاقسة؛ ولكن مولد السيدة زينب ليس كتلك الموالد، هو مهرجان مليوني لم أر شيئًا مثله من قبل. هبطنا من المترو وسط الزحام الرهيب، نحاول المروق بين الأجساد، فتيان نحيلان في بنطلونات جينز وسترات سوداء وسط جحافل القادمين من الريف والبنادر، مُستشرقان من الطبقة الوسطى يتطفلان على عوالم الشعبيين من المتصوفة وأهل الطريق. كنا نعتبر نفسنا أيضًا من أهل الطريق، وإن لم يكن طريق الصوفية بالضرورة.
في الجو صخبٌ عارم من أصوات وروائح وتوقّعات. تباينات من موسيقات مختلفة وأصوات غناء وهمهمات تصدر عن مئات من مُكبرات الصوت متباينة الجودة امتلأ بها الحي كله. تختلط نبرات الغناء نسائية ورجالية، مع سُحب من الموسيقى وريح البخور والحشيش في الأثير الشتائي المضبَّب والنَدي. كنا في ديسمبر على ما أذكر. في مناطق السلسلة وأبو الريش انتصبت السرادقات الصغيرة التي تُعرَف بـ “الخِدمَات” ؛ أتباع كل طريقة صوفية في قرية أو مدينة صغيرة يشدّون الرحال إلى رحاب “رئيسة الديوان” أم هاشم، وينصبون خيمة أو سرادق يتراوح حجمه حسب مقدرتهم، ويقدمون المشروبات والطعام “خدمةً” لزوار السيدة وأهل الطريق. نزلنا من المحطة من الجهة الشرقية وانسقنا مع حركة الجموع نحو ميدان أبو الريش. كان أول ما قابلنا سرادق كبير يحتل الميدان الصغير، بمكبري صوت عظيمين على بابه وقد امتلأ بجمهور من الرجال فقط. كلّهم من أهل الصعيد كما بدا من جلابيبهم والعمائم، فاض بهم السرادق حتى الخارج في أرجاء أبو الريش. على مسرح صغير في صدر السرادق وقف رجل صعيدي أسمر نحيل يُنشد ويتلاعب بصوته في تمكن غريب من أعماق القرار لجوابات صادحة، يمسك صوته بجمهور المستمعين، كلاعب ماريونيت يحركهم بخيوطه، فيهتزون جميعًا في حركة الذِكْر سرعةً وبطءً في إيقاع يحكمه تغيير المقام الذي يتحكم فيه الشيخ . كان للرجلِ حضور طاغٍ، يغنّي بينما يمسك في يده مِلعقةً صغيرةّ يوقِّع بها على كوبٍ زجاجي فارغ في يده الأخرى. مع عود وطبلة ودف وكمان وحيد يصاحبونه، يرتِّل أنشودةً تتغنى بمريم العذراء، يُخاطبها كأمّ عيسى ويمزج بينها وبين أم هاشم صاحبة الديوان ويشير بيده والملعقة في اتجاه المقام الذي تلوح قبته المضيئة أمامه من باب الخيمة على مسافة لا تتجاوز الخمسمائة متر. لم يكن سوى الشيخ أحمد التوني سُلطان مدّاحي الصعيد، لكننا كنّا نجهل قدره بل ونجهل من هو أصلاً، وإن انجذبنا لصوته وكاريزماه التي تبرهن على القوة الطاغية لكيان ضعيف. لم يكن جيل المنشدين الجنوبيين في الصعيد قد نال شهرته المستحقة بعد في القاهرة وعموم مصر… بعدها بسنوات قليلة ستشتهر أسماء التوني والشيخ أحمد برّين والشيخ أمين الدشناوي ومحمد العجوز ، وسيفوقهم جميعًا في الشهرة الشيخ ياسين التهامي. وسأحضر الليلة الكبيرة لمولد السيدة بعدها بسنوات قلائل فيكون المسرح الذي يغني عليه هذا الأخير متصدرًا الميدان الكبير أمام ضريح السيدة ذاته. وسيتجاوز التهامي نطاق مصر ليغني على مسارح بأوروبا وأمريكا… بقينا نحو نصف الساعة أمام سرادق أحمد التوني في حال انخطاف من أدائه يتموج خيالنا مع تطوّح الذاكرين، وقد كان ذاك أقوى مدخل لذلك العالم. انصرفنا بعدها لنستهل الجولة التي بتنا واثقين أنّها حافلة بالوعود والمسرّات. تركنا ميدان أبو الريش ودخلنا شارع السد في اتجاه الميدان الكبير والقبّة في الأفق تزدهي بأنوارها الخضراء.
“اوعد يارب اوعد…”
وفي شارع السدّ استوقفنا رجلٌ طويل بملابس فلّاحية ودعانا لدخول إحدى تلك الخيام. كانت ثمة لافتة قماشية على باب السرادق تقول: “أتباع الطريقة البيومية في أجا. دقهلية“. كان سرادقًا صغيرًا مستطيل الشكل اصطف الجالسون داخله على كراس من الخيزران والقش المجدول. بدا معظم الجالسين من منتسبي هذه القافلة، ريفيون رجال ونساء. في صدر السرادق جلست سيدة فخيمة، بيضاء سمينة في نحو الستين تشبه الهوانم التركيات القُدامى، وحجاب رأسها على نفس ذاك النمط نفسه. مكياچها كثيف نوعًا ما، وصدرها وذراعها مثقلان بمصوغات ثمينة. تبتسم لكلّ الجالسين. بدا أنها كبيرة هذه القافلة، صاحبة الخدمة والمُتكفِلة بها. في ركن الخيمة تربَّعت فلاحة شابة على الأرض أمام موقدي كيروسين مشتعلين فوق أحدهما قدر كبير، وفوق الآخر إبريق كبير من طراز العَمَّال تتصّاعد منهما أبخرة عبقة بالقرفة والكمون. تُشرف السيدة الفخيمة على تضييف الحاضرين بالمأكل والمشرب وتوزع ابتساماتها على الجميع بأنوثة كريمة لم يحدّ منها العمر ولا جلال المناسبة الدينية، بل زادا الشبق الخفيف الذي تبثه في المكان بُهارًا.. غير بعيد منها كانت هناك فلاحة في أواخر ثلاثيناتها جميلة ذات مظهر بسيط في ملابس وطرحة سوداء وقد تمددت على حجرها فتاة في نحو السابعة عشرة، لها نفس الملامح في نسخة مصغرة، ابنتها لا ريب. لكلتيهما عينان واسعتان تتطلعان إلى الأمام بلا وجل في نظرة حزينة، فيما الفتاة في تلك الوضعية، ووجهها متوسد حِجر المرأة، بدت مريضةً أو تعاني ألمًا خفيًا يشعُّ من نظرتها. تسمّرت وعاطف أمام هذا المشهد، كان وضعًا طبيعيًا بين أم وابنتها، لكنه غير مألوف على الملأ هكذا. تمسّد المرأة جبهة الفتاة وتبتهل شفتيها برُقى أو تعاويذ غير مسموعة، فيما الفتاة مستسلمةً في جلباب فلاحي أخضر من طراز قديم ظننته كان قد انقرض ومنديل بلون وردي يعصّب رأسها. وشُغلنا بهذا الثنائي عن أي شخص أو شيء في السرادق. وبادلتنا المرأتان النظرات؛ كنا بالتأكيد نبدو غريبين في السياق مثيرين للتساؤل. لكن الحاضرين جميعهم كانوا مشغولين كلّ في شأنه، بعضهم يحتسي مشروبه وآخرون يأكلون مما تقدمه لهم المرأة الطاهية وثم رجال شبه غائبين في إنصات للمديح الذي يبثه الستريو جالسين على الكراسي يسبحّون. واستمر ذلك التحديق المتبادل طويلًا وخيل إلي أن الأم تبتسم فيما تزداد نظرات الفتاة فضولًا وانتظارًا لأمر مجهول. بقينا كالمخدرين على مقعدينا في هذا الوضع أمامهما حتى أفقنا على المرأة الطاهية تمدُّ لنا رغيفين من الخبز الملدّن محشوين بالفول النابت ساخنًا. كان مذاق التقدمة رائعًا بنكهة الكمّون وعصير الليمون وشعرة من الشطة الحريفة على الفول الساخن. أكلنا رغيفينا، ثم حبسنا بعد الطعام بكوبين من القرفة الساخنة، وفهمت أنها المشروب الرسمي هنا عوضًا عن الشاي والقهوة. هل للقرفة طابعًا مقدسًا يسمو بها فوق المشروبين الساخنين الأشهر؟ كنا لا نزال، أنا وعاطف من جهة والفتاة المريضة وأمها من جهة أخرى، نتبادل نظرات تجاوزت الفضول نحو شغف غامض. على الرغم من تماثلهما في الملامح كان لكلٍّ منهما جاذبية مختلفة.. للابنة امتياز مقاربتها لنا في العمر والشباب، وللمرأة دسامة الثلاثينات والأمومة. عشقناهما من موقعنا، وعشقتانا فيما أظن؛ لكن الحب بالعيون ـ كما يقول سركون بولص – “فنٌ معقد، وهو وقف على الشرق”. ما كان هناك أمل لتطوير أي شيء أبعد من هذا العشق البصري. أخذنا واجبنا في الخيمة أكلا وشُربًا، وبات لزامًا علينا أن نغادر قبل أن نتحوّل إلى ضيفين ثقيلين دخلا ليتطفَّلا على نساء القافلة. وعندما هممنا بالقيام قالت لنا الأمُّ وكأنها تستبقينا أو لتدع خيطًا منهما مربوطًا بنا:”ادعوا لاختكم حياة ربنا يشفيها”!
مرة أخرى خرجنا لشارع السد. سرنا صامتين لفترة، كان خيال المرأتين لا يبارحني، تلك النظرات المتوسلة، والرجاء المجرَّد من غاية، وتماثل العيون الواسعة الكحيلة، وتمدد الابنة على حجر أمها بألم غامض وخافت يستولي عليها. سألت عاطف عن أيهما جذبته اكثر؟ قال إن الصغيرة أجمل وأنه كان يود لو قابلها في ظروف أخرى تسمح لهما بالتواصل. حسم خيالي الأمر بعد تردد لصالح الأم، ووجدته خيارا مُشبعًا.
اوعد يا رب اوعد…
كنا نتقدم في اتجاه الميدان، والزحام يتزايد كلما اقتربنا من الجامع الكبير. أرتالٌ من البشر تتدفَّق من الحارات والأزقّة الجانبية في مجرى شارع السدّ. أمسى الزحام حشرًا بالمعنى الديني للكلمة. صرنا محمولين في جسده الكليّ نمشي لا بقوة الدفع، لكن انجرافًا في تيار لا نقدر على الحيد عنه. التزمنا الجانب الأيسر من الطريق، نحاول الاعتصام بحوائط البيوت والمباني، ولكن التيار كان أعظم من محاولات تشبثنا بالحجر تفاديًا للغرق في بحر الأجساد. تقبلنا واقع الذوبان في هذا الجسد الهائل وانجرفنا.
وبينما يحملنا التيار بمحاذاة الشط الأيسر من شارع السد، نتخبط في الحوائط وتحملنا الأمواج مرة ثانية، انفتح علينا رافد جديد من البشر يتدفَّق من زقاقٍ جانبي، وأحدث تداخل الرافد الفرعي بالتيار الرئيسي تكتلًا لحظيًا أوقف الدفع، فاستطعت تأمل مدخل ذاك الزقاق وقد بدت على مبانيه طابعا تاريخيًا ملفتًا لأفاجأ باللافتة الزرقاء الشهيرة علىى الحائط أمامي تحمل اسمه “عطفة بهجت – درب شكمبة سابقًا” هذا هو إذن درب شكمبة الذي أذاع صيته صلاح چاهين في أوبريت “الليلة الكبيرة”. ومنذ اقترح عاطف عليّ تلك المغامرة في بداية المساء “نروح الليلة الكبيرة في مولد السيدة زينب” وقد حضر چاهين ببالي. وقتذاك، في الثامنة عشرة من عمري، كنت أعرف صلاح چاهين (كشاعر) منذ سنوات قلائل عن طريق أبي الذي كان يقتني طبعات قديمة من دواوينه ويحفظها عن ظهر قلب. ولكن “الليلة الكبيرة” كان عمله الأشهر الذي نعرفه من التلفزيون منذ طفولتنا المبكرة، والمصطلح ذاته بالنسبة لي كان دلالة عليه، على چاهين نفسه. وبينما حضرت صورته في ذهني على باب “درب شكمبة” الحقيقي، كدت أتعثر أنا وعاطف ونسقط تحت أرجل الزحام من شيء زلق وطأناه. نظرت تحت أقدامي وكذَّبتُ عيني فيما رأت، ونظرت لعاطف مُرتعبًا، ووجدته يبادلني نفس نظرة الرعب، وأومأ برأسه مؤكدًا دون أن ينطق أن ما ظننته صحيحًا. ما داسته أقدامنا كان جنينًا سقطًا لا يزال لزجًا بسوائله. لم يكن هناك متسع للتأمل أو لتحذير الآخرين أو اتخاذ أي تصرّف، فالحشد يسوق المسيرة ومحاولة إيقافه مستحيلة، ونحن نسير بقوة الدفع بلا تحكم في أرجلنا. هل هي امرأة حُبلى أجهضها الزحام، أم أنها أمّ تخلصت من وليدها للأسباب إيّاها؟! وعادت لي صورة “حياة” الفتاة العليلة وأمها، وعاد چاهين مرةً أخرى. وتذكرت أبيات من إحدى سوناتاته بديوان “قصاقيص ورق” تقول:
جار جنبنا فايتين
عنينا جابت في الحلال وليد.
لو بعدت العربيتين هلك..
وهو بين الشباكين عنيد
هل الجنين الساقط هو وليد الغرام بالأعين الذي تبادلناه أنا وعاطف مع حياة وأمها في لحظات كأنها الأبدية؟ للحب بالأعين في عمر المراهقة قوة السحر.
كنّا قد غادرنا مدخل درب شكمبة وتقدمنا أمتارًا أخرى باتجاه الميدان الكبير والجامع بقبته المتلألئة بأفرع النور الخضراء.
قبة سيدنا الولي دول نوروها.. محلى البيارق والناس بيزوروها..
قبة سيدنا الولي في الجو عالية.. محلى البيارق لما دوروها”
الكورال في افتتاحية “الليلة الكبيرة” يقصد قبة “وليٍّ” رجل، إذن الأوبريت لا يدور في مولد السيدة زينب ولا أيّ سيدة أخرى من آل البيت المتناثرة أضرحتهن في المنطقة. وهي أيضًا قبة “الوليّ” بألف ولام التعريف، فعلى الأغلب يشير الأوبريت ضِمنًا إلى مولد الحسين، وتوجد في الأوبريت مواضع أُخرى تعضّد هذه الفرضية.
تنشد الجوقة هذا المدخل بعد افتتاحية من الإيقاعات على دق طبول ومزاهر وصاجات تعبر عن مسيرة “الزفة” التي تفتتح الليلة، وهي موكب يسير فيه ممثلو الطرق الصوفية العديدة حاملين الأعلام أو “البيارق” التي تدل على طرقهم. وتستمر المقدمة الإيقاعية في النسخة التلفزيونية ما يقارب الخمس دقائق ـ إذ تتم إعادتها (لوب) ليتوافق زمنها مع مدة التتر التلفزيوني الطويل الذي يبرز أسماء منفذي العمل المسرحي مع منفذي الإخراج التلفزيوني. وبانتهاء التتر يُفتح الستار مع الانتقال إلى دخلة للوتريات من مقام البيات، ثم يبدأ الكورال باللحن الافتتاحي، بالإشارة للقبة وأنوارها:
عمّن تُعبر تلك الجوقة من كورالات النساء والرجال والأطفال هنا؟ هي في الغالب صوت أهالي الحيِّ المقيمين ممن يعصف المولد بإيقاع حياتهم اليومي مدة أسبوع أو يزيد، وحيث يتكاثف الزحام ويبلغ ذروته في هذه الليلة الموعودة، فها هي القبة قد أُنيرت، وتوافد عليها الزائرون؛ وهاهو موكب الطرق الصوفية بحملة البيارق يتقدمون ويلفونها في الهواء. وثمة توافد للحجيج من أطراف القطر الأربعة يملؤون خيام الخدمة (الشوادر) من الأرياف والمدن الصغيرة (البنادر). ولا شك أن انقطاع الإيقاع الرتيب للحياة اليومية بمهرجان كالمولد، هو سبب لابتهاج السكان واندياحهم مع التيار الصاخب للزائرين.
كتب الناقد الراحل إبراهيم فتحي قراءة لأوبريت الليلة الكبيرة في مجلة القاهرة في ضوء مفهوم الناقد الروسي ميخائيل باختين عن “الكرنڤال”، ومقال آخر بطابع صحفي مختصر بعدها بسنوات في جريدة القاهرة الأسبوعية عن فتنة الليلة الكبيرة، حيث تُحقق طقوس المولد، من وجهة نظر فتحي نوعًا من الكرنڤالية تتيح للناس التحلل من التراتبيات القائمة في الحياة اليومية؛ فمن صفات الكرنڤال – بحسب باختين – تعليق القوانين والضوابط والممنوعات التي تُحدد بنية الحياة الاعتيادية (أي خارج الزمن الكرنڤالي) وحيث يتم تبادل الأدوار بين المقدس والمدنس، أو في أفضل الأحوال، تجاورهما كما يحدث في المولد.
ومن هنا، لا يبدو المولد، وبالأخصّ مولد صلاح چاهين في “الليلة الكبيرة” قابلًا لتغطية مفهوم الكرنڤال بالكامل وإن احتوى – بشكل جزئي – على بعض مظاهره. ولا ينفي هذا أنَّ مصر عرفت أشكالًا شبيهة بما عرف لاحقًا بالكرنڤالات، قبل روما، وقبل أثينا، في احتفالات انخفاض النيل والبذر والحصاد والأعياد الفرعونية المختلفة، والتي استمرت بكامل عفويتها ومجونها حتى بواكير الحداثة في القرن التاسع عشر. كعيد وفاء النيل وفتح الخليج. في الكرنڤال، بحسب باختين، تنتفي ثنائية المؤدي/المتفرج حيث تتّخذ كل الطقوس الجماعية والفردية طابعًا رمزيًا. أما احتفاليات الموالد فهي، وبحسب طبيعتها تنتمي إلى مفهوم “الحج” إلى المزارات المقدسة، وكلّ حجٍّ، كما نعرف، هو “زيارة وتجارة”. والمولد، كما مثَّله صلاح چاهين، هو بالأساس سوق ومسرح للعديد من فرق المؤدين والبهلوانات والمغنيين الشعبيين، وقد مُثِّلَ هؤلاء الباعة والفنانين وفقراتهم في الأوبريت بأكثر مما مُثِلَت الطقوس الشعائرية ذات الطابع الرمزي، التي اقتصرت على افتتاحية موكب حملة البيارق، ثم زفّة الطفل المختون، وأخيرًا حلقة الذكر التي يذوب فيها الحاجّ الفرد في الجسد الأكبر لجموع الحجيج وحاضري المولد مع أنشودة ترسِّم طريق الحاج نفسه من قريته إلى المقام أو الضريح:
شفت في منام صاحب المقام ده أبهة
ويمامة حايمة عليه توحَّد ربها
ميِّلت فوق يده وجيت أحبَّها
صحوني م النوم خدت بعضي وتنِّي جاي.
وتجدر الإشارة إلى أن صلاح چاهين كتب “الليلة الكبيرة” للمرة الأولى كـ “صورة غنائية” للراديو. والصورة الغنائية فنٌ ازدهر في العصر الذهبي للإذاعة المصرية، يقدم مظهرًا من المظاهر الشعبية كالمولد مغنى من قبل مجموعة من الأصوات الرجالية والنسائية الفردية والكورالات، وقد قدم الثنائي چاهين وسيد مكاوي إلى جانب”الليلة الكبيرة عددًا من تلك الصور، من بينها “السوق -حلاوة زمان عروسة وحصان” و”المكن” ، لكن تظل “الليلة..” أنجحها وأشهرها. ولأنها مكتوبة للإذاعة أصلًا فقد ظهر النص المطبوع والذي نُشر ضمن أعمال چاهين الكاملة،خاليًا من أي “ميزانسين” أو سيناريو أو أي رسم لمسرح الأحداث أو تفاصيل عن الشخوص، فنحن فقط بصدد “سكريبت للأصوات” يحدِّد الشخصية التي ستُنشد هذه الأغنية أو تلك من مجموع الفقرات التي تؤلف الصورة الغنائية. وعليه فالنصّ كمنتج خضع أولا لتأويل الملحن “الشيخ سيد مكاوي” والمخرج الإذاعي “عباس أحمد” ثم لاحقًا ومع تحويله لأوبريت للعرائس خضع لتأويل المخرج المسرحي “صلاح السقا”، ومصمم العرائس “ناجي شاكر” ومهندس الديكور مصطفى كامل الذين أعطيا لتلك الشخوص والأجواء لحمًا ودمًا من خشب، فتولدت عنها دلالات جديدة . ويبقى أن نذكر أيضًا المخرج التلفزيوني محمود بيومي الذي حفظ لنا نسخة الأوبريت التي صوّرها تلفزيون الدولة في الثمانينات بعد تحول التلفزة إلى الألوان، لتستبدل نسخة الأبيض والأسود التي كانت صوّرت في الستينات، ومن قبل ماسبيرو أيضًا. هذا، وقد قُدِم الأوبريت بعد ذلك بأكثر من شكل، بالدمى وبممثلين حقيقين وبراقصي باليه، كما صوِّر تلفزيونيًا في كل تلك المراحل. وقدمت فرقة عزت أبو عوف للنصّ السماعي تأويلًا موسيقيًا بلغة عصر الديسكو، وقدمت فرقة “مسار إجباري” تأويلًا موسيقيًا بلغة الروك، وذلك ضمن تأويلات أخرى عديدة. ولكننا سنعتمد نسخة ماسبيرو الملونة لعرض مسرح العرائس المتوفرة على يوتيوب، حيث أن النقل عبر تلفزيون الدولة لعرض سمعي بصري من إنتاج الدولة سيصبُّ في النهاية في نفس السياق الإيديولوجي الذي نشأ النص داخله. وعندما تُنتِج الأجهزة الثقافية والإعلامية لنظام شمولي عملًا فنيًّا يصوّر “الشعب” فإنها تعمد غالبًا إلى تسطيح التفاعلات الاجتماعية، (كي لا نقول الصراع الاجتماعي)، فتظهر كجداريات النحت السوفيتية حيث نرى عمالًا وفلاحين مفتولي العضلات ممسكين بمطارقهم وفؤوسهم تعبيرًا عن مسيرة “تحالف قوى الشعب العاملة” نحو التقدم. ومن ضمن أعمال صلاح چاهين المخصّصة للفنون الأدائية في تلك الفترة لا تخضع “الليلة الكبيرة” لتلك الرؤية. فالمولد فيها كما أسلفنا يغلب عليه طابع “السوق” إلى جانب شعائريته، ما يُظهر الناس في سياق تفاعلي كباعة ومشترين، أو أصحاب مقاه وندل وزبائن، أو فنانين مؤدين ونُظَّارة.
يقابلنا أول صوت فردي يغني بعد مقدمة الكورال الاحتفالية بموكب البيارق والقبة المنيرة في أداء الصولو لصوت محمد رشدي الودود في دور بائع الحمص ينادي على بضاعته ويختتم بعبارة “اللي شاف حمص ولا كلش.. حب واتلوع ولا طالش” لتقترب منه شابة في ملاءة لف تطلب منه “حبة بقرش” وكأنما لتكسر صيامها عن الحب، وهي الدعابة التي يضحك لها المتجمعون. وإن كنت أعتقد أن قرشًا واحدًا كان ليشتري كميةً لا بأس بها من الحمُّص وقتها. ويختلف النص المسرحي المتلفز عن سلفه الإذاعي في التوزيع الموسيقي، لا التوزيع الآلي وحده، لكن في تقسيم الأدوار الغنائية بين الأصوات النسائية أو الرجالية المفردة أو الكورالات من الجنسين أو للأطفال، كما جرى استبدال بعض المغنين في العرض وأضيفت فقرات لتطيل النص بما يتناسب مع عرض مسرحي. فبينما هناك رشدي أيضًا في دور بائع الحمص في النسخة الإذاعية، فقد سبقه صولو للمطربة القديرة شافية أحمد تاليًا للكورال في الأنشودة الافتتاحية “قبة سيدنا الولي…” بصوتها الحيّاني في نبرة شعبية نادرة المثيل، وهي المقدمة التي يغنيها الكورال فقط في أوبريت العرائس المتلفز. وتقدم شافية أحمد في النسخة التلفزيونية فقرتها الصولو في أنشودة “أم المطّاهر”، التي تغنيها في النسخة الإذاعية عصمت عبد العليم.
بعد استعراض لنداءات عدد من الباعة نمرُّ بمنعطف قوي في مسيرة الموكب اللاهي، تقفز الأوركسترا في كريشندو بالتيمة الموسيقية الأساسية “الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة…” دون غناء، لنجد أنفسنا أمام أول العروض الأدائية في هذا المولد، وهو للدهشة عرض للأراجوز! والأراجوز كما نعرف دمية، لكن جمهوره المفترض هنا أيضًا دمى، ماريونيت تحركها آلية الخيوط لا آلية القفاز كالأراجوز . الأراجوز هنا دمية للدمى، كالكلب بلوتو في عالم ديزني لاند، كلب منزلي أليف تربيه عائلة من الفئران الناطقة.
يمثل الأراجوز في عروضه عادةً المواطن الفرد الحرفوش في مواجهة دمية أخرى تمثل السلطة، كالعسكري أو العمدة، وتكون زوجة الأراجوز هي محور الصراع. وتوظَّف عروض الأراجوز عادة في الأفلام المصرية القديمة لتُقدِّم اختزالا للصراع الدائر في الدراما الأساسية، كما في فيلم “الزوجة الثانية” لصلاح أبو سيف مثلًا، والذي تُشبه عقدته العقدة الكلاسيكية في مسرحيات الأراجوز القصيرة. حيث الصراع بين الفرد الحرفوش وممثل السلطة على جسد امرأة، ويكون ذاك الاختزال في مسرحية الأراجوز لمحةً تُظهِر عِبرة الدراما الإطار وتومئ بالحلّ الآتي. مسرح الأراجوز نافذة تنفتح في الحائط الثالث للمسرح الكبير تطلّ منه الأنا الأعلى، الضمير العليم للمؤلف. وكالكورس في الدراما الإغريقية يفتتح أراجوز الليلة الكبيرة عرضه بغناء التيمة الرئيسية، عنوان العرض وفحواه:
الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة
ماليين الشوادر يابا م الريف والبنادر
دول فلاحين ودول صعايدة
دول م القنال ودول رشايدة
يردد كورال الأطفال نفس التيمة، ويبدو البيتين الأخيرين، بجمعهما لأطراف القطر الأربعة (مع إغفال الأطراف القصية بأقلياتها الإثنية؛ نوبة وبدو وأمازيغ) كدليل وحيد على محاولة تسكين هذا العمل الفني في السياق الفولكلوري لإيديولوجيا الوطنية المصرية بمفهوم دولة يوليو؛ تلك الإيديولوجيا التي لعب چاهين إلى جانب فنانين وشعراء وكتاب آخرين من جيله الدور الأهم في ترسيمها. ثم يلتقي الأراجوز مع أحد هؤلاء القادمين من الريف. العمدة المعمم راكبًا على حماره، يسأله عن الطريق إلى “المتولي”.
ونعرف أن ضريح سيدي المتولي يقع عند باب زويلة، أي في محيط حيّ الحسين، ما يعضّد فكرة أن المولد المعنيَّ هو مولد الحسين لا غيره من الأولياء الكبار، فضريح علي زين العابدين مثلًا في السيدة زينب، وضريح القطب أحمد الرفاعي في محيط القلعة، أي أن كليهما في الجانب الجنوبي من القاهرة القديمة، نحن إذن في الأوبريت في شمالها نواحي الغورية والأزهر والجمالية. يشرح الأراجوز خارطة الطريق للعمدة مضللًا إياه ليقوده إلى التيه في المدينة المزدحمة. فينطلق إلى مصيره على الحمار، يودعه الأطفال بزفة هازئة. “مع السلامة يابو عمة مايلة” في استحضار مخفّف لتراث شعبي من الاستهزاء بالمعممين “شد العمة شدة… تحت العمة قرد”.
ويرى إبراهيم فتحي في ذلك الوداع الساخر، تعضيدًا لفكرته عن كرنڤالية الليلة الكبيرة، حيث يتم إنزال ممثل السلطة “من عرش مرتبته الاجتماعية” بحسب تعبيره، وبالفعل، ومن بداية هذا المشهد، تنقلب التراتبية، فيخاطب العمدةُ الأراجوز بقوله “يا حضرة الأراجوز قول لي…” ويرد الأراجوز مخاطبًا العمدة بصفته المجردة “نعم يا عمدة عايز إية؟..” فالحضرة تسبق في العادة صفة العمدة لا صفة مُخاطبه الأدنى. وأُضيف أننا هنا لسنا بصدد مواجهة على أرض واحدة؛ فالعمدة كدمية وكمُمثِل وكنمطٍ مُمَثَل يقف على مستوى أدنى من مستوى الأراجوز، الذي يطل من نافذة في حائط العمق ومن عمق أبعد. والعمدة بحماره على هذه الأرض خارج منطقة نفوذه مجرَّدًا من سلطته. كما أنه قد لا يكون عمدةً من الأساس، فأي ريفي في القاهرة مرتد لعبائة أو قفطان فوق الجلباب معتمرًا عمامة عوضًا عن الطاقية العادية سيُطلق عليه عمدة تبجيلًا، أو تنميطًا وإشارة لريفيته تعزله عن السياق المديني وتبرز أجنبيته عنه. نحن هنا إذن في مواجهة بين ممثل المدينة المطلّ من مكان أعلى وأعمق، وبين ممثل الريف في المكان الأدنى. فالتراتبية مقلوبة إذا وافقنا إبراهيم فتحي، لكن التراتبية الجديدة لا تنبني على أساس السلطة السياسية المراقة لحاكم قرية، لكن على أساس سلطة النفوذ على المكان؛ فهناك القادمون “من الريف والبنادر” وهناك من يرصد مجيئهم، بل ويتلاعب بهم ويضللهم في متاهات المدينة. والتيه كلمة سرّ أخرى في مولد “الليلة الكبيرة”! وتضليل الريفيين في المدينة لعبة يهواها حرافيش القاهرة، فمن المعتاد أن ترى الغريب القادم من الأرياف يسأل أحدهم عن عنوان ما، فيرد القاهري “هو قالك فين بالظبط؟” ويشرع في وصف خريطة وهمية للسائل، ويحدث ذلك أحيانًا حتى في حالة معرفة المسؤول للعنوان المستفسر عنه. ولا يعكس تقبُّل العمدة هنا للخريطة الوهمية سذاجة الريفي في مقابل مكر ابن المدينة ولعبيته؛ بل يعكس بشكل ضمني السلطة التي تمارسها المدينة على الغريب الوافد التي لا تجعله ساذجًا فقط، بل تجعله أعمى ولو كان بصيرًا؛ فالعمدة ربما لم يستمع للكلمات الأخيرة للأراجوز التي يصرِّح فيها بأنه يتلاعب، فيقول له ” ولما تلقى مقلة لب.. تعرف بإنك تهت وضعت” بل كان العمدة يريد الفرار السريع من تلك المواجهة مع سلطة لغة لا يفهمها بدقة بدت له كالمتاهة، والخطأ إن أُملي من مكان أعلى وبأقل قدر من التماسك البنيوي، سيبدو صوابًا. ويقول المثل الشعبي “كذب مرتب ولا صدق منعكش”. وقد سمعت من بعض الأهالي القدامى في السيدة زينب أن بعض أشقياء الحيّ ومتبطليه كانوا يستغلون فرصة المولد ويستخرجون الصماخ من آذان حمير وأحصنة السوق، ويبيعونه للريفيين القادمين على أنه ترياق الأفيون، وبعضهم كان يطهو قشر البطيخ في الزيت ويبيعه على أنّه سمك مقلي “كلّ وبرق لي صنف زي الفل!” ولا شك أن انطلاء تلك الحيل لا يعني جهل هؤلاء الريفيين بطعم السمك أو الأفيون، لكنه ربما سمك المدينة الذي ليس كمثله سمك وأفيونها الذي ليس كمثله أفيون!
يواصل الحشد تحرّكه بعد ذلك ليصل إلى فقرة “السيرك” ثاني عرض أدائي بعد الأراجوز.
لم نر أنا وعاطف أراجوزًا أو سيركًا في تلك الليلة، فقط رأينا حين بلغنا ميدان السيدة زينب، مُقامري التصويب ببنادق الرش وبالورقات الثلاث، ورأينا صفوفًا لأشكال من الأراجيح، بينها أرجوحة القارب الشهيرة، ونسخة بلدية من لعبة الأحصنة الدوارة مصبوبة من حديد غفل ومدهونة بالدوكو. وعوضًا عن الموسيقى التي تصاحب دوران الأحصنة في مدن الملاهي الحديثة، كان العامل أو صاحب الأرجوحة يطرق حديدها بمفتاح بلدي، كموزعي أنابيب البوتاجاز إذ يعلنون عنها في الشوارع، محدثًا إيقاعًا يتناغم مع دوران الأحصنة. صاحب الأحصنة الدوارة شاب شديد السُمرة بشعر طويل شقّره بالأوكسجين في تعارض صارخ مع لون بشرته، وذاك بزمن قبل تطبيع هذا التعارض بين شقار الشعر وسمرة البشرة من قِبَل فنانين ولاعبي كرة قدم. هو غالبًا من الغجر يطوفون بهذه الأراجيح الأقاليم كلّها خلف الموالد، وهم مع الدراويش وأهل الطريق الجسم الأساسي لقوافل جائبي الموالد. هؤلاء بأراجيحهم وبأكشاكهم الحمراء لألعاب البخت والتصويب هم آخر من تبقى من جيوش السيركات الشعبية التي تفكَّكت وتسرّحت بعد تأميم السيرك من قِبَل الدولة في الستينات ليكون فرعًا من أفرع المسرح والفنون الشعبية في وزارة الثقافة. وقد استوعب ما يُعرف بـ “السيرك القومي” بضع عائلات فقط من مجموع العشائر التي كانت تملك تلك السيركات الجوّالة وتعمل فيها. واليوم في 2023، صارت لتلك العائلات المحدودة علاقة مركبة بالقطاع العام، فلهم داخل السيرك المملوك للدولة ما يشبه “الحكم الذاتي”، وحرية في اقتناء الحيوانات والوحوش وبيعها.
في سيرك صلاح چاهين بـ “الليلة الكبيرة”، يواجه مروض الوحوش “الشجيع” أسدًا، ويُخضعه، ويستسلم له الأسد ليضجّ الحضور بالتهليل. لكننا لا نلبث أن نكتشف أنّ الأسد ليس متوّحشًا كما أعُلن، وأن حِمارًا صغيرًا تسرَّب إلى الحلبة من مكان ما، أرعبه وجعله يفرّ. ليس الشجيع شجيعًا بالتالي، فكلّ بطولة هنا تنفقئ. وبعد سنوات من ظهور “الليلة الكبيرة”، سيكتب يوسف إدريس، المولود قبل چاهين بثلاثة أعوام قصةً عن قتل الأسد سلطان لمدربه محمد الحلو الكبير، في السيرك المؤمم الذي تحوّل أبطاله السابقين إلى موظفي حكومة تعساء زالت عنهم هالة الفروسية وانطفأ بريقهم؛ ما جعل الأسد يستعيد وحشيته ويفترس المروض الذي تم ترويضه هو شخصيًا. وعلى الرغم من اللمحة النافذة ليوسف إدريس واللغة الساخرة الرفيعة لتلك القصة “أنا سلطان قانون الوجود”، لا يبدو لنا العيب هنا في القطاع العام، ففي عموم المدينة المعاصرة لا مكان للبطولة بمعناها القديم، والذي يمثله مصارع الوحوش، ولا أي فارس آخر. حتى تلك اللعبة الحديدية البائسة، الأحصنة الدوارة، والتي رأيناها أنا وعاطف بالميدان بين المسجد وكراكون السيدة زينب الشهير، لها أصل بطولي في التاريخ قبل انحدارها لتلك الخردة التي يدق على حديدها غجري بشعر أشقر ليصنع إيقاعًا معدنيًا يطفو على سطح ضجيج المولد. في مدن الملاهي الحديثة، لا سيما في مدن الغرب البيضاء، تحظى تلك اللعبة بجاذبية غامضة. ورأيت للعجب في مدينة ملاه كندية إقبالًا أكثر غموضًا عليها، من شباب بالغين، وكنت أظنها تستهوي الأطفال دون العاشرة فقط؛ فهي لا تثير نشوة الأدرينالين التي تثيرها ألعاب كالقطارات الأفعوانية أو عربات التصادم مثلًا. يتعاظم الغموض بفعل الموسيقى التي تصاحب دورانها والصور التي تزين الألواح التي تغطي محورها الدوار أو سقفها المظلّي من الداخل، ومعظمها صور تحيل لعالم رعوي قديم، للأزمنة الإقطاعية. وتعود أصول تلك اللعبة إلى عصر الحروب الصليبية. وهو عصر احتكاك عنيف بين الشرق والغرب، كانت موازين القوى فيه شبه متساوية، مالم ترجح لصالح الشرق المغزو غالبًا. ومن تدريبات الفرسان المسلمين، المماليك في الأغلب؛ ومن لعبة الكرة والصولجان حيث يدور المتبارون على صهوة خيولهم في حلقات، ويتقاذفون كرة بعصيّ، استلهم الغرب لاحقًا لعبة البولو، وأرجوحة الأحصنة الدوارة، لتتطور عبر القرون إلى الصورة التي نراها الآن في مدن الملاهي بالهيكل المشابه لكشك الموسيقى، وبموسيقى السيرك تصاحب دورانها، وتلك التصاوير على جدرانها تستعيد الأزمنة القديمة. وما دمنا في حيّ السيدة زينب، في جنوب القاهرة القديمة قريبًا من القلعة حيث يبدأ صيت الاسطى عمارة، فلنعد بالزمن إلى الخلف قرابة الخمسة قرون، لنرى الناصر محمد بن قلاوون يدور بفرسه على نفس الشاكلة يلاعب خاصكيته بالكرة والصولجان في ميدان الرميلة (صلاح الدين حاليًا) تشرف عليه القلعة من الشرق، وذلك قبل سنوات من تشييد ابنه السلطان حسن لمدرسته الصرحية الشهيرة، التي انتصبت في الجهة الغربية من الميدان تتحدى صرحية القلعة وتدخل معها في جدل معماري لن يطففه سوى إنشاء مسجد الرفاعي بعد قرون أربعة، وكأنه يجذب الجدل من ياقته لينتقل إلى حوار بين طرفين لهما قامتان متساويتان، أحدهما أصلي والآخر ينتحل الملامح الخارجية فقط. نترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر ونكتفي بانحطاط الفروسية إلى كيان من حديد مطلي بالدوكو. والمماليك في النهاية أمراء أجانب إقطاعيون كنظرائهم في أوروبا ذاك العصر، لا يخصّوننا إلا في المعمار العظيم الذي تركوه لنا، لنتباهى كالصلعاء بشعر بنت أختها.
في الأوبريت ظلّت الشخوص أنماطًا غير مسماة، فهذا بائع حمص، وهذا أراجوز، وذاك عمدة، وهذا “شجيع السيما أبو شنب بريمة” مروض الوحوش؛ ولا يظهر أول شخص فرد له اسم إلا بطرح التحدي على الحشد، عندما يدعوهم صاحب لعبة دفع الطارة، وهي عربة حديدية صغيرة في حجم قبضة يد، تُحمَّل بأثقال، ويدفعها المتباري لتجري عكس الجاذبية على ما يشبه قضيب قطار مائل لأعلى، والتحدي أن يستطيع دفعها بكل أثقالها حتى نهاية القضيب المرتفعة لتفجّر “بُمبة” وضعت على المصدّ الأخير الذي تصطدم به العربة.
مين عنده مروّة.. وعامل لي فتوة..
يقدر بقدارة .. على زق الطارة .. ويفرقع بمبة”
فينشق الزحام عن “الاسطى عمارة من درب شكمبة”. ينبثق فرد حرفوش حقيقي من عماء الحشد لينبري لها.
وسع وسع وسع وسع
.. أنا أزق الطارة واضرب ميت بمبة
.. دانا الاسطى عمارة من درب شكمبة
.. صيتي من القلعة لسويقة اللالا
انا واخد السمعة”.
وفي فقرة سابقة من الأوبريت طُرح تحدٍ سابق على الحشد من صاحب لعبة التصويب ببنادق الرشّ
فتح عينك.. تاكل ملبن
فينك فينك.. تاكل ملبن
إوعى لجيبك لا العيب عيبك
قرب جرب وسطن إيدك وسطن
ولم يستجب البطل لهذا التحدي، فالتصويب تحدٍ للمهارة، وهي إن كانت مَلَكَةً ضرورية ليست الأساس، لكنّ تحدي دفع الطارة هو تحدٍ للقوة، التي هي صنوة السلطة ومرادفتها في لغات أخرى. عندها فقط يبرز بطل المدينة، الاسطى عمارة ليعلن سطوته أمام هذا الحشد من الحجيج والوافدين. هل يصلح أن يكون المُنبري لها أحد الريفيين القادمين؟! أشك. إنه “ابن البلد ماشي زي النمس في الأسواق” كما قال چاهين في قصيدة “على اسم مصر”. والنمس في المخيال الشعبي رمزٌ للمكر كالثعلب، لكنه يمتاز كأفراد فصيلته من بنات عُرس بالقدرة على الانسلال من أضيق الفتحات. ابن البلد الاسطى عمارة ينسل بين الزحام الكثيف مع صديقه مسعد، ومن خلفهما نحاول أنا وعاطف الانسلال. هبطنا أنا وعاطف من المعادي إلى السيدة زينب، وهبط الاسطى عمارة ومسعد من السيدة زينب إلى الحسين يسحبنا جميعًا ظلّ صلاح چاهين العملاق يتأبطه الشيخ سيد مكاوي، ويقوده ببصيرة موسيقية في متاهات الأزقة.
في اللحظة الأخيرة، يملص الاسطى عمارة، كالنمس، من مجابهة التحدي، فهو الصايع القاهري المثالي، “فنجري بؤ” يجود بالأقوال ويُحجم عند الفعل. وكانت حجته في الامتناع عن دفع الطارة بعد قبوله للتحدي هي أن “البدلة جديدة!” لن يجازف بكرمشة البدلة أو اتساخها. وهنا يجدر أن نتوقف لنتأمل كيف صمم ناجي شاكر دمية “الاسطى عمارة”: وجه ممصوص بشارب رفيع يرتدي من البدلة سترتها فقط، على الجلباب البلدي. كان ذلك النمط من الأناقة شائعًا في لحظة ما من تاريخ الحداثة المدينية. وهو يعكس علاقة ما مع تلك الحداثة الناشئة مع استمرار الاستغراق في نمط الحياة التقليدي القديم للقاهرة التاريخية، بكل ما يمثله ذلك النمط من قيم كانت بصدد تفكك بطيء في مواجهة النمط الوافد. وعليه فعمارة ليس “أفنديًا” على نمط المواطن الحديث، بل هو نصف أفندي/ نصف ابن بلد يعرّف نفسه كـ”أسطى” أي من أرباب الحرف.
يرَسِّم الاسطى عمارة من درب شكمبة (الكائن قرب مسجد السيدة) حدود منطقة نفوذه، من حيّ القلعة حتى سويقة اللالا التي تقع بمنطقة الحنفي في السيدة زينب أيضًا؛ هو فتوةً لجنوب القاهرة القديمة، إنها القاهرة العليا كما كانت تُعرف، في مقابل القاهرة السُفلى الأحدث، وذاك موازاة لانحدار النهر من مصر العليا القبلية إلى السفلى البحرية. ولن يحتاج عمارة إلى إبراز بطاقة انتمائه إلى”عبٍ” معين من المدينة ويتفاخر به إلا لكونه خارج ذلك العبّ. وتلك إشارة أخرى تعضد فرضية استلهام النصّ لحيّ الحسين ومولده. كأن حيّ الحسين صار المسرح الأمثل لتمثيل القاهرة القديمة إذا أردنا أن نكتب عن طقس شعبي يصعب وجوده في الأحياء الحديثة. ونرجح أن استلهام حيّ الحسين جاء بتأثير من مسرحة نجيب محفوظ لهذا الحيّ وأيقنته عبر خمسة أعمال روائية حتى تاريخ ظهور “الليلة الكبيرة”. وقد رأينا يوسف السباعي، الروائي وضابط سلاح الفرسان وعضو تنظيم الضباط الأحرار، ومسؤول حقيبة الثقافة برمتها في النظام لاحقًا، يُصدر في عام 1952 روايته “السقّامات”، التي تدور وقائعها في منطقة “الحسينية” أقصى شمال القاهرة القديمة، والمعدودة من مُلحقات حي الجمالية والحسين، وهي رواية غريبة كلّ الغرابة عن عالم السباعي الرومانسي، حيث قصص الحب بين ضبّاط فرسان وأميرات شقراوات، والبعيدة حتى عن عالمه الواقعي الذي تربى فيه في السيدة زينب، وكتب عنه “بين أبو الريش وجنينة ماميش”. يصدِّر السبّاعي رواية السقامات”بمقدمة يطرح فيها معضلة كتابة الحوار في القصّ المعاصر؛ هل يكون بعامية الشارع أم بمستوى الفصحى نفسه الذي يُكتَب به السرد؟! وفي سياق حديثه عن تلك المسألة يذكُر نجيب محفوظ ورواية “زقاق المدق” تحديدًا بشكل عَرَضي، وكأنها زلّة لسان يقرّ بها السباعي عن استلهامه لعوالم نجيب محفوظ أو تأثره به في تلك الرواية المختلفة وسط سجله الرومانتيكي.
هناك طريقان رئيسيان يمكن أن يسلكهما مسعد والاسطى عمارة إلى الحسين من السيدة زينب، قد تتفرع منهما عشرات التخريمات والاختصارات المحتملة. هناك أولا الطريق القديم: من ميدان السيدة زينب الانحراف يمينا في شارع مراسينا حتى الصليبة، ثم عند سبيل أم عباس الانحراف يسارًا في شارع السيوفية والسير فيه حتى نهايته حيث يتقاطع مع شارع القلعة ثم يمتد باسم شارع المغربلين والسير فيه حتى الدرب الأحمر والانحراف فيه يسارًا والمرور عبر الخيامية وبوابة المتولي والغورية إلى حي الحسين. أما الطريق الآخر، الأحدث، فيسير في خطين مستقيمين يشكّلان زاوية حادة أو حرف إل اللاتيني، وهو سلوك شارع بورسعيد “الخليج المصري” من ميدان السيدة حتى الموسكي، ثم الانحراف يمينا في شارع الأزهر؛ ويوفر هذا الطريق الأخير إمكانية ركوب الترام عوضًا عن السير؛ وإن كان السير يناسب هذان المتسكعان أكثر، فكلّ خطوة بمشهد مختلف، وكل مشهد متعة أو وعد بها. يتوغل الصديقان في الحواري الداخلية بحثًا عن المباهج. هنا ثمة غازية ترقص وتغني في أحد المقاهي؛ وهناك مغنٍ صعيدي في مقهى آخر، وتشترط المقاهي تقديم مشروب نظير الجلوس للفرجة، وعادة تكون المشروبات بأسعار مُضاعفة في الموالد لا سيما في حال وجود فقرة ترفيهية بالمقهى. لكنّ صديقانا يحتالان على الشرط ويجلسان دون أن يطلبا حتى “تعميرة ولا واحد شاي” فيطردهما صاحب المقهى صائحًا “اللي هايطلب راح يقعد.. واللي ما يطلبش يبعد” فيهمس الاسطى عمارة لصديقه “يالا بنا نخرج يا مسعد شارع الترماي!”

في المقهيين الذين مرا عليهما الاسطى عمارة وصديقه مسعد، استمعا مجانًا إلى أغنيتي “يا غزال ياغزال” للمغني الصعيدي، و”طار في الهوا شاشي” لغازية ريفية.. أغنيتان تصلحان للتضمين في أي برنامج ترفيهي أو عمل درامي، لا تنتميان لزومًا لعالم المولد وأناشيده الصوفية التي سيطرت فيما عاصرته خلال حقبة التسعينيات. لكننا كنا وقتها في نهايات الثمانينيات، والحسّ الدنيوي ما تزال بقاياه صامدة في عالم الموالد، وإن لم نر أية راقصات. كانت الفقرة الختامية لي ولعاطف في سرادق كبير احتل جزءا كبيرا من ميدان السيدة وحتى مدخل شارع بورسعيد الجنوبي أمام مدخل “سينما الشرق” الشهيرة. وقف مناد يعلن: “كوباية الشاي بجنيه.. اسمع المعلم عبده الاسكندراني بجنيه… وايه يعني جنيه… كسم جنية!” هكذا بالمفتشر! إن كنّا نجهل من هو التوني فنحن لم نكن نجهل من هو عبده الاسكندراني، تلك هي الفقرة الكبيرة بالليلة الكبيرة يا معلم. ودخلنا، وطلبنا الشاي في انتظار النجم. كان ثمن كوب الشاي وقتها في أي مقهي لا يتجاوز الربع جنيه، والجنيه كان مبلغا كبيرًا في ميزانية كلّ منّا التي لا تتجاوز بِضعًا منها. ولكن الاستماع لعميد الموال، كما كان يسمى عبده الاسكندراني، فرصة لا تفّوت وتسوى أكثر من ذلك بكثير. انتظرنا طويلًا، في السرادق/المقهى/ المسرح قبل أن يظهر أبو اسكندر. شربنا الشاي المصروف كثمن للحضور، وفهمنا من شوباش المنادي (صيحاته الدعائية للحفل) أن السرادق يقيمه معلم كبير في السيدة زينب، هو تاجر مخدرات على الأرجح، وتحت رعاية عضو مجلس الشعب وثيق الصلة بنظام الحزب الوطني في تشكيلته وتحالفاته بتلك الفترة. بعد منتصف الليل بمسافة ظهر عبده وفرقته. كان قصيرًا يلبس ملابس فلاحية عادية ويعتمر طاقية بسيطة، لا تتخيل أن كلّ هذا الصوت العظيم يصدر منه. بدأت الفرقة بارتجالات وتقاسيم لتستقر على المقام. وقاد التقاسيم عازف الترومبيت بمزاج شجي غريب عن تلك الآلة المرتبطة عادة بالصدح الچازي والمارشات العسكرية وفي تطويع غريب لها للمقامات شرقية، ذاك لم يكن سوى سامي البابلي العازف الشهير، والذي ارتبط اسمه بفرقة أحمد عدوية، والذي كثيرا ما كان يظهر بالتلفزيون في فقرات للعزف المنفرد، كانت الفرقة كلها رائعة،.. وما أن استلم عبده المقام حتى انطلق في موال”بحر الدموع فين أغسل منه أحزاني.. واطهر الجرح ده اللي تعبني وأذاني“… حولنا كان الحضور في معظمه من رجال يبدون كمعلمي تجارة الجملة وشباب على الأرجح من أهالي السيدة زينب. يدخنون الحشيش بكل أريحية وبلا مواربة في شكل “خوابير” مبرومة يشعلونها كبخور الند داخل أكواب زجاجية وينشقون دخانها، أو يفركونه قطعًا صغيرة على أحجار لشيشة. وللانتقال إلى الموال التالي تخطف الفرقة تيمة من لحن شهير لكمال الطويل أو السنباطي، يلعبون مثلا تيمة من “جددت حبك ليه” ليستلم عبده مقام الكرد ويواصل “سألت ع الصبر قالوا الصبر له عجان… بيخمره في العسل ويدوبه دوبان.. لاجل المرار ينبلع ويريح التعبان.. أنا رحت أدور عليه واسأل في كل مكان.. وشربت من لفّي حنضل ما يطيقوش الجان.. ولما آن الآوان وعترت في العنوان.. رحت التقيته جبر وبيقفل الدكان…”تلك القفلة الحراقة بكلمة دكان أهاجت الجالسين طربًا فارتفعت الصيحات. وفي الجسر اللحني للموال التالي لعبت الفرقة تيمة راقصة من “أغنية ياللي سامعني قول يا نور عيني” فقام الجالسون يرقصون وارتفعت الشيش في الهواء وتمايلت الأجساد بين سحب الدخان الأزرق.. انتهت الليلة وقد كان لنا – بالتدخين السلبي – نصيب من الكيف، عاطف وأنا؛ خرجنا، وكمسعد وعمارة سلكنا شارع الترماي، ولكن في الاتجاه المعاكس.
لا يفتأ الاسطى عمارة يشير إلى شارع “الترماي” كلما طُردا من أحد المقاهي في الحواري الداخلية. لتكرار الأمر مرتين، نفهم أن شارع الترام نُقطة مرجعية يعودان إليها كلّما خرجا من الحواري الداخلية. سلوك شارع الأزهر فبورسعيد هو الخيط الذي سيعود بهما إلى حيهّما الأصلي والذي وإن تمسكا به فلن يضلا أبدا. وكان هناك خط ترام يمرّ بشارع الأزهر نحو الدراسة أزيل قبل بناء الكوبري العلوي في سبعينيات القرن العشرين، وظلّ بعدها الترام مُستمرًا حتى نهايات التسعينات في شارع بورسعيد (خطّ السيدة زينب العباسية) وكان من آخر خطوط ترام القاهرة التي أُزيلت. يرجح هذا، أن الصديقين قد سلكا الطرق الرئيسية (شارع بورسعيد فشارع الأزهر) عوضًا عن اختراقهما القاهرة القديمة عبر الطريق المتعرج بين الطبقات التاريخية يجتاز المدينة الطولونية والفاطمية والمملوكية. وفي مقابل الطريق التاريخي فلنسم طريق الخطين المستقيمين ذا الزاوية القائمة بـ “طريق الحداثة”. وهو اسم يستحقه عن جدارة. فمن فم الاسطى عمارة نسمعه يُسميه “شارع الترماي”. وترام القاهرة هو مفتاح حداثتها بحسب المؤرخ والباحث محمد الكيلاني. فقد بدأت عرباته تجري بالكهرباء في شوارع القاهرة (1896) قبل أن تجري المياه في أنابيب لبيوتها، وقبل إضاءة تلك البيوت والشوارع التي تحتويها بالكهرباء. وبحسب الكيلاني فقد أحدث ظهور الترام نقلة حضرية هائلة في حياة القاهريين، إذ أنهى عزلة المواطنين في أحيائهم وحاراتهم، وصار التنقل أسرع وأسهل. وقطع ذلك مع نمط حياة بدائي كان لايزال الأهالي فيه يتنقلون على الدواب بين أرجاء المدينة. كان عرَّاب مشروع ترام القاهرة هو المهندس البلجيكي إدوار إمبان المشهور بكونه مؤسس حي مصر الجديدة، وقد ظلت المفاوضات حول إنشاء خطوط الترام وتسيير عرباته دائرة حتى أعطته الحكومة المصرية ذلك الامتياز في عهد نظارة نوبار باشا الثالثة بنوفمبر عام 1894. وكان للشركة البلجيكية أن تنشئ الخطوط وتسيِّر العربات وتجني الأرباح دون أي عائد للدولة أو للمواطنين سوى العمالة المحلية التي توظفت؛ واستمر الوضع كذلك قرابة العشر سنوات قبل أن تراجع الحكومة عقدها مع الشركة البلجيكية لتتحصل بعد التعديل على 5% من أرباح الشركة، وفي توقيت مقارب يفتتح البارون ادوار إمبان مشروعه العقاري الكبير شرقي القاهرة والذي عرف بـ “واحة هيليوبوليس” أو حي مصر الجديدة كما نعرفه الآن، والذي مدّ له خط ترام خاص يربطه بالقاهرة، وسيكون شريكه في المشروع العقاري باغوص نوباريان نجل نوبار باشا مؤسس البيروقراطية الحديثة لأسرة محمد علي ورئيس الوزراء الذي على عهدته بدأ المليونير البلجيكي استثماراته العمرانية في القاهرة.
أما شارع بورسعيد فيتضح من اسمه القديم (شارع الخليج المصري ) أنّه امتد فوق المجرى المردوم للخليج؛ وهو مجرى مائي حفر في عهد عمر بن الخطاب نحو عام 646 ميلادية، كان يتفرّع من النيل شمالي مدينة الفسطاط القديمة عند منطقة “فم الخليج” الحالية، ويُعتقد أنّه كان يتلاقى في امتداداته خارج القاهرة مع المجرى البائد لقناة سنوسرت الثالث المحفورة في عصر الدولة الوسطى في القرن 19 قبل الميلاد. كان مجرى الخليج يعبر بمحاذاة غرب القاهرة القديمة، ويخرج من العاصمة من حدودها الشمالية، إلى محافظة القليوبية فمحافظة الشرقية حتى يصبّ عند الاسماعيلية في بحيرة التمساح التي كانت تتصل بالبحر الأحمر عند السويس. بذا كان يربط بين النيل والبحر الأحمر، وبالتالي بين البحر المتوسط والبحر الأحمر عبر النيل. وهنا نلاحظ أن التسمية الحديثة للشارع باسم “شارع بورسعيد” ليست اعتباطية أو من باب تخليد اسم المدينة الباسلة فقط، لكننا إذا افترضنا أن الشارع الذي يمتد حتى أقصى شمال شرق القاهرة ويتوغل قليلًا، إلى الآن، داخل أراضي القليوبية، قد واصل امتداده فوق المجرى القديم للخليج حتى الإسماعيلية، ثم واصل توغله داخل مياه بحيرة التمساح متجاوزًا السويس فوق ما صار مجرى قناة السويس، فسيصل بالفعل إلى بورسعيد. لا يشير الأسطى عمارة بكلمة “شارع الترماي” إذن إلى مجرد شارع عمومي سيُرجعهما من حواري الحسين إلى حواري السيدة زينب، ولكنه يشير إلى ما يشبه الممر الدولي، وخط حاد ضُرب بجرّة قلم على الخريطة ليربط، ولو رمزيا، بين الأطراف الأربعة للمعمورة، لا بين جنوب القاهرة القديمة وشمالها فقط.
ولا يبدو لنا ذكر قناة السويس غريبًا في هذا السياق، فلولا شقّها لما صار كلّ هذا، ولما عادت لموقع مصر أهميته على طريق التجارة العالمي، ولما تدفقت إليها أفئدة من الأجانب، مغامرين ومستثمرين، ولا ظهر للوجود شارع بورسعيد ولا مدينة بورسعيد ذاتها ولما جرى الترام في شوارع القاهرة، أو سلك الصديقان عمارة ومسعد “شارع الترماي”.
ولم يكن ردم الخليج المصري وظهور شارع بورسعيد إلى الوجود عام 1898 سببًا في التفكير المباشر في مدّ خط ترام السيدة زينب الشهير، بل كان ظهور الترام في فضاء القاهرة عام 1896 سببًا لتنفيذ مشروع ردم القناة وتعبيد شارع بورسعيد فوق مجراها، ومن ثم مدّ خط الترام الطويل ذاك فيه، بل إن شركة الترام البلجيكية صاحبة امتياز مدّ الخطوط وتسيير العربات هي نفسها التي نفذت مشروع الردم. لم يكن قد بقي من القناة، بحسب الصور الفوتوغرافية القليلة التي أظهرتها، والمتبقية من نهاية القرن 19، سوى ترعة ضحلة ضيقة الاتساع، يصعب تصورها كقناة ملاحية بتلك الأهمية الجغرافية التي كانت عليها في عصور أسبق. تصرّف فيها البيوت المحيطة مجاريها وتستقي منها أيضًا! وتحولت مع الزمن إلى بؤرة للأوبئة حسب تقارير صحّية حكومية؛ وقد فشت الكوليرا في موجة قاتلة عام 1896 سنة إطلاق مشروع الترام، ما أوجد حجةً علمية إضافية استوجبت ردم القناة في العام التالي. وبالتالي ضرب الدافعون بمشروع الردم عدّة عصافير بحجر واحد؛ أولا إتمام مشروع خط ترام السيدة زينب، ثانيًا القضاء على بؤرة الأوبئة، وأيضًا إنهاء الاحتفال الرمزي بعيد وفاء النيل والقضاء على آخر مظاهر الكرنڤالية الحقيقية المتبقية من عصور الديانات المصرية القديمة. كانت الاحتفالات الشعبية بفتح الخليج، التي اتسمت في بعض الأحيان بالمجون الكرنڤالي الشديد تمثل إزعاجا سنويًا للسلطات، لا سيما إذ اتسمت تلك السلطات بطابع المحافظة الدينية او الأخلاقية؛ كما كان الحال مثلا زمن الأشرف قايتباي، ولا ننسى أن المتنفذ الحقيقي في مصر وقت الردم كان اللورد كرومر المعتمد البريطاني وعامل الملكة فيكتوريا التي صار عهدها رمزًا للمحافظة الأخلاقية والتزمت.
ظهر شارع الترماي “بورسعيد للوجود، وصار خطًا فاصلًا بين المدينة القديمة (البلدية) والمدينة الحديثة أوروبية الطابع (الأفرنجية) التي أخذت تتمدد إلى الغرب منه، لتظهر أحياء جديدة كالتوفيقية وقصر النيل وباب اللوق وعابدين والمنيرة وجاردن سيتي، تزيح الزراعات والبساتين والتجمعات السكنية شبه الريفية والمقابر، والمستنقعات والبرك التي كان يغذيها فتح الخليج صيف كل عام.
وفي عام 2015، قام صديقان آخران، هما المؤرخان الشابان شهاب فخري ومحمد سعيد عزّ الدين، برحلة استقصاء لمعالم التبدل الحضري والعمراني التي طالت شارع الخليج المصري بطبقاته التاريخية، قاطعين الرحلة سيرًا على الأقدام من فم الخليج وبطول شارع بورسعيد حتى منطقة الظاهر. وقد صاحبهما مصور فوتوغرافي ليسجلوا ثلاثتهم تلك المعالم، وقد نشرت تجربتهم في “اختراق الضاحية” تاريخيا في جريدة المصري اليوم.
وبينما يقف شارع بورسعيد حاجزا بين المدينتين، شُقَّ شارع الأزهر المتقاطع معه، قادمًا من الطرف الغربي للمدينة (غربي الثقافة أيضا) ينبع من ميدان العتبة ليخترق القاهرة القديمة الشرقية، ويشطرها فيفصل حرم الجامع الأزهر عن حرم مسجد الحسين، وكأنما يفصل بين الدين الرسمي والدين الشعبي، بين العقل السُني والقلب المتشيع لآل البيت النبوي. الفقه والشريعة والبيان على ضفّة، وعلى الضفّة الأخرى التصوّف والكرامات والعرفان.
في خمسينيات القرن العشرين، وقت كتابة الليلة الكبيرة، كان الجزءالأفرنجي من المدينة غربي شارع بورسعيد قد بدأ يتمصَّر، ويفقد رهبته أمام إبن البلد. لكننا لا نلمح له ذكرًا طوال الأوبريت ولا يبدو له شبح. ويكتفي الأسطى عمارة ومسعد بمتاخمته وهما يسلكان شارع الترماي في الرواح والغدو.
خرج الاسطى عمارة من وسط حشد في حالة لهو وانخطاف. حشد من أهل الطريق والجوّابين وجمهور يستمتع بالاحتفال وفقراته وتناول الأطعمة والمشروبات، التي قد تٌباع وقد توَّزع مجانًا كنفحات من قبل أصحاب الخدمات. ومن مجمل هذه التفاعلات صنع چاهين هذه الأنشودة الأشهر في مدونته الشعرية؛ ما رأى إبراهيم فتحي أنّه سرّ فتنة “الليلة الكبيرة وصمودها كعمل فني في وجه الزمن. ليخلص إلى أنّها بكل هذا المزاج اللعبي الساخر، وبالانتصار على كل أشكال السلطة، بما فيها سلطة الموت، بالمجون والتهكم والدعابة، تقدِّم ما يمكن أن يكون “روح الشعب” مُتحققًا في حالة شعرية غنائية. ولكن، ليسمح لنا التاريخ أن نزايد به على إبراهيم فتحي أستاذ المادية الجدلية، فإن هذا الحشد اللاهي الساخر المجذوب في الليلة الكبيرة لا بد وأن يُرى في تعارضه مع حشد آخر رسمه چاهين في أعمال غنائية مُتعددة تعود إلى الفترة ذاتها، تلك الأعمال التي كتبها للتبشير بـ”ثورة” يوليو والناصرية، وقد وجدت طريقها إلى الجماهير غالبًا عبر صوت عبد الحليم حافظ وألحان كمال الطويل، أعمال “كصورة” و”المسئولية” و“بستان الاشتراكية” ويمكننا أن نضيف لها الصورة الغنائية “المكن” التي لحنها لمجموعة من الأصوات، كالليلة الكبيرة، الشيخ سيد مكاوي. وبخلاف حشد الليلة الكبيرة، فإن الحشد في تلك الأعمال غير لاه أو مسطول أو مجذوب، بل هو في قمة يقظته وانتباهه. وجوههم جميعًا تتطلع في اتجاه واحد لا تتواجه في تفاعلات البشر ؛ لكنها تواجه عدسة كاميرا الزمان، التي ستلتقط للمرة الأولى صورةً للشعب الذي صعد على مسرح التاريخ. إنّه الموكب السائر في طريق التقدم، والمعبر عن كيتش الإشتراكية بمصطلح ميلان كوندير، وبشكل أدق سياسيًا فإن هذا الحشد هو الاستعراض المكثَّف للشمولية بتعبير جي دوبور. ويلوّن چاهين، الرسّام خريج الفنون الجميلة، خلفيةً من الأخضر والأزرق الزاهي لهذا الحشد؛ يموضع الموكب في منظر طبيعي من خضرة وماء وقبة سماء زرقاء مصفية تتجاور في أفقها مئذنة المسجد مع مدخنة مصانع الحديد والصلب، دون أن يخدش ذلك صفو السماء بما نعرفه الآن بالتلوث الكربوني. كما يستبعد من الخلفية الطبيعية الصحاري التي تشكل 90% من مساحة مصر، والأزقة والحواري والأراجيح التي ظهرت في ديكور الليلة الكبيرة، كما يستبعد من الحشد المصطف لالتقاط الصورة “الخامل والهامل واجبه ونعسان” ؛ فعلى مسرح التاريخ لا يوجد إلا “الثوري الكامل، المصري العربي الإنسان”. وكأن چاهين يصنع هنا “كارت بوستال” لفردوس الاشتراكية. استراتيجية الكارت بوستال الشعري عاد لها مرة أخرى في أخريات حياته، في أغنية رقيقة عن عيد الأم كتبها لتغنيها صديقته الأعز سعاد حسني. يقول الشاعر موجِّهًا خطابه لوالدته التي كانت حيّةً ما زالت وحتى لحظة وفاته “علشانك النهاردا… الدنيا كارت معايدة.. ملا الربيع أركانها.. بمليون ألف وردة”. وهو هنا يقلب منطق المجاز، فكارت المعايدة لا يصوّر العالم ويحتويه في مساحته المعروفة 10× 15 سم، بل تحوّل العالم بأسره، مزدانًا بالربيع، إلى كارت معايدة يهديه إلى الأم. وذلك القلب المجازي رأيناه عنده أيضًا في الرباعية الشهيرة “سهير ليالي وياما لفيت وطفت.. وفي ليلة راجع في الظلام قمت شفت.. الخوف كأنه كلب سد الطريق… وكنت عايز أقتله بس خفت”. رأى الشاعر “الخوف” كنايةً عن الكلب، لا الكلب كناية عن الخوف. ومنطق القلب الكنائي هذا يُدرجه فؤاد حداد، أستاذ چاهين وصديقه ونسيبه، في تتابع زمني من ماضٍ إلى حاضر، فيقول في إحدى قصائده: “آه وآه ويا فرحة قلبي.. كُنت طير وصبحت مراكبي” يتحرّك المجاز باتجاه الواقع من الماضي إلى المضارع. وبالعودة إلى حشود صلاح چاهين وفردوس الاشتراكية العربية، وإذا انتقلنا معه إلى أغنية “المسؤولية” سنجده قد وسّع من رقعة الكارت البوستال لتحتوي المنطقة العربية بكاملها. لا تزال الخلفية خضراء زاهية (على الرغم من كل الصحاري المعروفة) وقد ترقّشت تلك الرقعة بالملاعب الرياضية والمصانع الكبرى بل وتماثيل رخام على شطوط الترُع ومسارح للأوبرا في القرى العربية. وبينما ينشق حشد الليلة الكبيرة اللاهي عن مواطن مُفرد هو الاسطى عمارة، نجد الحشد اليقِظ هنا قد تحوّل إلى تنظيم سياسي بحجم أمة اسمه “الاتحاد الاشتراكي العربي”، والحشد هنا يُخاطب مواطنًا مفردًا منفصلًا عنه، ويخلع عليه عضوية اللجنة الأساسية بالتنظيم، وينصّبه بطلًا شعبيًا وفارسًا من رتبة “أبو زيد زمانك.. وحصانك الكلمة والخدمة الوطنية“. وقد يكون أبو زيد زمانه هذا هو الاسطى عمارة نفسه، وقد يكون “درش” الشخصية الكاريكاتورية التي ابتكرها چاهين الرسام تعبيرًا عن المواطن المصري، أو قد يكون اسمه “سرحان البحيري؟! لكننا نعرف مسبقًا أن لا بطولة ولا فروسية هنا.. يقابل “الاسطى عمارة أو درش أو سرحان البحيري هذا التكليف بالتنازل عن أناه مُنصهرًا في الحشد
مافيش أنا فيه إحنا يا صاحبي

لا شك أنّه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وارتفاع موجة التحرر الوطني في أربعينيات القرن العشرين فقد بدأ مذهب الواقعية في الفن ينتشر في مصر كمظلّة تحتوي عشرات الأشكال من التجريب، قطعت مع رومانتيكية العشرينات والثلاثينات بأشكالها المختلفة. وفي السينما كمّا في النثر والشعر بدأت قصص الحواري والناس الشعبيين تحل محلّ حواديت القصور والباشوات. وفي القلب من كلّ هذا كان هناك منجز نجيب محفوظ السردي الآخذ في التعاظم كمًا وكيفًا يضع مسطرةً لما يجب أن تكون عليه كتابة الواقع المصري، وقد يجوز أن نسمي النص المحفوظي في هذا السياق الجديد (النص الألفا- ألفا تيكست) وقد رأينا كيف أن ضابطًا رومانتيكيًا كيوسف السباعي عندما أراد كتابة رواية “واقعية” عمد إلى استلهام عوالم محفوظ وجغرافيته الأثيرة بشكل مباشر.
وفي بواكيره الشعرية، في بداية الخمسينيات كتب صلاح چاهين وهو ابن اثنين وعشرن عامًا مانيفستو شعري للانضواء تحت مظلّة الواقعية والقطع مع الرومانتيكا يقول “القمح مش زي الدهب.. القمح زي الفلاحين.. عيدان نحيلة وجدرها بياكل في طين”. والواقعية كمذهب فني لا ترمي كما يقال بشكل ساذج إلى “تشخيص أمراض الواقع” ولكن إلى النزول بالجمالي من أفق المجاز والتجريد والمثال إلى الأرضي، ومد خط تلك الفلسفة على استقامته يهدف إلى أن يحلّ الشعر في العالم، كما يحل الربيع في الطبيعة. أن تكون الدنيا باتساعها “كارت معايدة” لا أن يكون كارت المعايدة هو الدنيا. ولم تكن “رمنسة” الآمال الاشتراكية في تلك الكروت أو الأناشيد الدعائية نكوصًا في شعرية چاهين، قدر ما كانت تجاورًا لصوتين داخل جسد الشاعر نفسه، وهما ليسا الصوتين الوحيدين أيضًا فبإمكاننا أن نفرِّق داخل أعمال چاهين المكتوبة بين عدد من الكُتّاب؛ فهناك شاعر الدعاية الثورية، وهناك كاتب الفنون الأدائية (أغان ومسرحيات وأوبريتات وسيناريوهات أفلام وبرامج تلفزيون تسلوية أو فنية) وهناك الزجّال الذي يمزج بين ممارسته كرسّام للكاريكاتير وكتابة قصائد ذات طابع كوميدي اجتماعي قد تصلح للغناء كومونولوجات. وهناك وهو الأهم، الشاعر كاتب القصيدة الخالصة خارج “الأغراض” الأدائية، إيديولوجية كانت أم ترفيهية، والذي لم يخلّف سوى بضعة دواوين. وبالتأكيد، تتداخل كل هذه الأدوار لدى چاهين، وفي تلك الأناشيد المنظومة لخدمة مشروع سياسي، والتي لم تعد الآن ذات صلة شعرية إلا للمزاج النوستالجي للناصرية، لا يعدم المرء الوقوع على سطر يفتح نافذة في الكارت البوستال الدعائي على عالم شعري أرحب. ففي نشيد “بستان الاشتراكية” مثلا يقول “اقفل عينك وافتحها تلاقي الشوك بقى فل … وزهور ليمون صابحة في يافا بتضحك وتطل… تقول: افتح صندوق العيد وادي الحلوة مراية“. فإذا ما تجاوزنا الشطرين الأولين وهما في إطار الكارت البوستال الرومانتيكي سابق الذكر حيث ثمة بستان للاشتراكية العربية فيه يغلق المرء عينه ويفتحها ليجد الشوك زهورًا! ، نجد في الشطر الثالث صندوقًا للعيد يفتحه المرء ليهدي إلى الحلوة مرآةً. وأي هدية أعظم من مرآة! أن تهدي للجميلة جمالها تدلها عليه إن لم تكن تدركه، أو تؤكده ليمتد خيط العلاقة. من أين تخرج المرآة؟ من صندوق العيد! لا نعرف صندوقًا للعيد، ربما نعرف صندوق الشوار، وهو الصندوق الخشبي المزخرف الذي كان يُحتفظ فيه للعروس بجهازها من ملابس وحُلي (وربما مرايا)، لتأخذه معها من بيت أبيها إلى بيت الزوجية. لكن العُرس ليس عيدًا. فهو يمر مرةً في العمر، والعيد من العود أي تكرار الحفل نفسه في موعد منتظم سنويا، وقد يكون العيد عرسًا بالمجاز لا بالحقيقة، لكن العُرس لا يكون عيدًا قط، لا مجازًا ولا حقيقة. والعيد هو أيضًا تصور كلي للبهجة نُدركه من مسافة زمنية. وفي الأصل الديني تبدأ الأعياد بذهاب جماعة المؤمنين إلى مكان العبادة؛ لا فقط لإبداء مراسم الخضوع لنفس المبدأ المجمع، ولكن أيضًا للتشاوف. فهي فرصة ليرى أفراد الجماعة بعضهم بعضا. في تلك الأناشيد الچاهينية يتحوّل يوم العمل العادي إلى عيد. وهو تناقض لا يستقيم في الواقع؛ فالعيد عُطلة بالضرورة، وانقطاع في التوالي المبذول للأيام، وراحة من شقاء العمل للاحتفال.. لكننا هنا بصدد عمال “على راس بستان الاشتراكية… واقفين بنهدس ع الميا.. أمة أبطال عُلما وعمال.. ومعانا جمال… بنغني غنوة فرايحية” ولننظر أيضًا في أوبريت المكن يقول “وأنا كنت عمري لم رأيت أسوان.. يا فرحتي رأيتها بعينيا… أسوان على مجد العرب عنوان.. منجم عزيمة، حديد ووطنية…. وأنا كنت عمري لم رأيت منجم.. يا فرحتي وأنا وسط عماله.. رعد المطارق في الجبل دمدم.. بنغم مالوش مثيل في جماله.. وأنا كنت عمري لم رأيت أسوان!”.
كان تحويل إيقاع العمل اليدوي الشاق إلى تناغم موسيقي صورة فردوسية من صميم كيتش تلك المرحلة. نرى مثلا في فيلم “غرام في الكرنك” 1967 من إبداعات الشقيقين محمود وعلي رضا والموسيقار علي إسماعيل، استعراضًا لراقصي وراقصات فرقة رضا وهم يبنون مسرحًا داخل حرم معبد الكرنك بأعمدته الجرانيتية الشهيرة، ليقدموا عليه بدايتهم الفنية. تتحول حركات المطارق وألواح الخشب والمناشير إلى إيقاعات مموسقة على تلك الخلفية الفرعونية المهيبة. وإن كنا في تلك الحالة قد نهضم الصورة في إطار معرفتنا دراميا لطبيعة اهتمام هولاء الراقصين والراقصات وشغفهم بما سيقدمونه على ذلك المسرح قيد الإنشاء؛ ولكن هل يستقيم الأمر مع أشغال شاقة في صخور جنادل النيل الجرانيتية أو حفر أنفاق المناجم تحت شمس الصعيد اللاهبة؟ هل تحوّل يوم العمل العادي إلى عيد بالفعل، حتى لو كان العمل يعني مشروعًا قوميًا بحجم السد العالي؟ ربما لم يقع عبد الرحمن الأبنودي في هذا التهوّر الشعري حين اقترب أكثر من الهمّ اليومي الإنساني العادي في حياة عامل وأسرته من تلك الحقبة؛ في عمله الأشهر “جوابات حراجي القط العامل بالسد العالي”. بالتأكيد كان العمّال هناك يرون يوم العمل/ العيد بعيدًا ويراه چاهين قريبًا. لا مجرد “أماني وكلام أغاني.. ده بر تاني قصادنا قريب”. مجرد نهر نعبره لذلك الفردوس حيث ينتفي الاغتراب تمامًا بعد أن يمتلك العامل أدوات الإنتاج التي عادت إليه بالأرض التي تحملها. ولكن في ذلك النهر بالذات غرقت أجيال وشعوب.
فلنتأمل القصيدة التالية من مجموعة السوناتات التي كتبها چاهين، وصدرت ضمن ديوان قصاقيص ورق 66-1965
دار الزمـان، فاتـت كمـان سنـه
وإلا اللى فايتين احـنا، ع السنـين؟
فتـنا عليـك يـا كوبرى أمسـنا،
ونـفـسنا فى حاجات، وسرحانين.
فتـنا على عصفور جريح فى ريح،
فـتـنا علـى منديـل يسيـل بُكا،
ع النـبـع فقـنا لسبع، مال طريح،
مِكَـتِّـفـاه حيـه مـلـعـبـكـه.
يـاما نفسنا العصافير تطير سرور،
وتفـحـفح المناديـل عرق، وفـل،
وتلـبـس السـباع عقـود زهور،
والكـل يلـقـى الكـل … لو يطل.
طلينا فى عيون بعض، انا وصديق..
شفـنا الحاجات دى، بحق وبحقيق.
شكل السوناتا الأوروبي الذي تبناه چاهين في تلك القصائد ينبني من أربع عشرة بيتًا تنقسم إلى ثلاث رباعيات وفقرة أخيرة من بيتين تكون بمثابة تعليق ختامي على الثلاث رباعيات الأولى. في الفقرة الأولى نحن بصدد عبور على الماضي ” فتنا عليك يا كوبري أمسنا ونفسنا في حاجات وسرحانين”. ألا يستدعي كوبري (جسر) الأمس المجازي هنا نهرَ الأمس المجازي بدوره والذي كنا سنعبره نحو “العيد”؟ في الرباعية الثانية ننتقل لنرى ما مرّ عليه الشاعر الذي يتكلم بصيغة الجمع، أثناء عبوره الجسر: عصفور جريح في ريح ومنديل يسيل بكا، وهما صورتان عالقتان في الفضاء الشعري، لكن الأسد الطريح عند النبع والذي تلتف حوله حيّة تهصره بغرض الإجهاز عليه، هو مجاز لن يصعب علينا أن نفك شفرته في ضوء الأحداث التاريخية المعاصرة.
وفي الفقرة الثالثة تنفك الشفرات الغامضة من الفقرة السابقة حين يقول “يا ما نفسنا العصافير تطير سرور، وتفحفح المناديل بعرق وفل،” ألا يحيل امتزاج رائحة العرق بأريج الفلّ في منديل واحد هنا إلى يوم العمل العادي الذي صار عيدًا دائمًا؟! ولنترك السباع في البيت التالي على حالها لننتقل إلى البيت الأخير من الرباعية والذي يشكل قمة التصاعد الدرامي للسوناتا. ياما نفسنا “الكل يلقى الكلّ لو يطل” في أي فضاء سيلقى المرء كل من يعرفهم دفعةً واحدة، إلا تحت المبدأ المجمِّع في صلاة العيد؟ ولأنه عيد يومي (مع تجاوز التناقض المنطقي الذي لا يحله إلا الشعر) فهو ليس إلا فردوس الاشتراكية متحققًا على الأرض. وفي الخيال الأدبي الإسلامي أن المؤمنين في جنّات الخلد يتعرقون مسكًا. لكن المسك ينتمي لعالم قديم، لعالم شرق شارع بورسعيد وحوانيت العطور العربية في الحسين، لجاهلية ما قبل الحداثة، وجاهلية ما قبل يوليو، فلا بد وأن العمال مؤمني الاشتراكية العربية سيتعرَّقون عطرًا جديدًا في فردوسها. وبالعودة إلى صور الفقرة السابقة سنستطيع الآن موضعة صورة “منديل يسيل بكا” في سياقها. فبينما كنا نأمل في منديل العيد لم نجد بين أيدينا إلا منديل غارق في الدموع، منديل جنازة. وقد يستحيل العيد أو الحفل إلى مأتم، ولكن المأتم لا يصير حفلًا قط. نحن هنا بصدد رؤيتين فوق واقعيتين؛ حلم جميل وكابوس. الحلم هو ماضي الكابوس لا مستقبله وبينهما الواقع. لا ينتمي الحلم للمستقبل القريب الذي سنعبر إليه “البر التاني”؛ لكن إلى ماضي سحيق لم يعشه أحد. ما سيأتي هو الكابوس. ولا بد أن نذكر هنا أن سوناتات صلاح چاهين كُتبت بالتأكيد قبل نكسة 1967 ببضع سنوات. وفي توقيت مقارب لكتابة الأناشيد السياسية سابقة الذكر أو متزامن معها!
ولاحقًا في ديوان الرباعيات سيكتب چاهين:
وقفت بين شطين على قنطرة
الكدب فين والصدق فين يا ترى
محتار ح أموت.. الحوت خرج لي وقال
هو الكلام يتقاس بالمسطرة؟! عجبي
لا الكابوس صادق ولا الحلم كاذب. والمفردات الاخلاقية خارج قاموس علم الجمال. وفي النهاية لا يقاس الشعر بمعيار الخير ولا بمسطرة الحق! وقد يجتمع ضدان؛ كالين واليانج الصيني، أو أريج الزهور وزنخ العرق البشري، أو العطلة ويوم العمل، أو الحلم والكابوس في لحظة واحدة تتراكب طبقاتها رأسيًا، من ظلام عالم “ما تحت الأرض” الكابوسي إلى تحليق الوعي الشعري المتجاوز الذي يستطيع وحده أن يزاوج بين هذه المتناقضات.
في البيتين الختاميين من السوناتا يقول الشاعر:” طلّينا في عيون بعض أنا وصديق… شفنا الحاجات دي بحق وحقيق”. أي حاجات التي رآها الشاعر وصديقه؟ أمفردات الحلم من الفقرة الثالثة، أم مفردات الكابوس من الفقرة الثانية؟ وفقًا للتربية الذكورية المصرية، لا نعهد الأصدقاء من الذكور يتطلّعون في أعين بعضهم البعض في لحظات الأمل والحبور. لكنهم قد يفعلونها في لحظات الخوف والجزع، كما التقت نظرتي أنا وعاطف بعد أنا دهسنا بأقدامنا الجنين السَقَط أمام مدخل درب شكمبة.
الأجنة المجهضة والمواليد المشوهون كانت استعارة متكررة في مدونة چاهين الشعرية كما لدى شاعر آخر، هو سميه وصديقه وزميله لفترة بالعمل، صلاح عبد الصبور والمولود قبله بعام واحد. فرأيناه قال في سوناتا أخرى “عنينا جابت في الحلال وليد… لو بعدت العربيتين هلك.. وهو بين الشباكين عنيد” ونعرف جيدًا مصير هكذا لقاءات. وفي رباعية أخرى يقول:
أنا قلت كلمة وكان لها معنيين
كما بطن واحدة وتوأمين زين وشين
لو دنيا شر التوأم الخير يموت
ولو دنيا خير الشر هايعيش منين
وعجبي
وهو نفسه من قال:
اخطفني ياللي تحبني ع الحصان
الدنيا قالت يوم في ماضي الزمان
اخطفني ياللي تحبني ع الفرس
الدنيا قالت قام خطفها الشيطان
خطف الشيطان الدنيا في قديم الزمان فولِدَ التوأم الطيب ميتًا، جنينًا سقطًا رأيناه أنا وعاطف تحت أقدامنا عند درب شكمبة.
وبكلامنا عن الماضي والمستقبل، وبالعود إلى الحشود المجتمعة على أرض قصائد چاهين، فبإمكاننا أن نتخيل الحشدين المعنيين، جموع المولد × ومظاهرات التعبئة الشمولية، كحشد واحد مندرج على خط زمني في حال سابق ثم حال لاحق؛ قبل وبعد؛ نوم ثم صحو في مجمل نص چاهين بتضاريسه وأغراضه المختلفة. أي أن الحشد كان نائمًا مجذوبًا ومسطولًا ثم استيقظ ونهض.

يحيى حقي: تصوير حسام دياب
وهنا لنا أن نستدعي طيب الذكر يحيى حقي؛ ونعدّه أيضًا كمحفوظ من أساتذة چاهين السريين؛ وهم أساتذة سرّيون لأننا درجنا على البحث عن أسلاف وأساتذة لكاتب ما داخل تاريخ الجنس الأدبي الذي يُنتجه فقط؛ وچاهين كشاعر عامية يُرى باعتباره امتدادًا لبيرم التونسي وبديع خيري وفؤاد حداد فقط، مع أغفال فكرة تشكّل النص الأدبي في عصر ما وسط شبكة من نصوص أدبية تتقاطع. وتلك النقلة التي أحدثتها في المجتمع يوليو 1952 ومن ثم تعبئة الشعب وعسكرة المجتمع عبّر عنها حقي في صيغة (ما قبل/ما بعد) في روايته “صح النوم”. وللمرة الأولى نرى يحيى حقي يتخلّى عن منحاه الواقعي الذاتي ليكتب نصًا رمزيًا (الليجوري) يحاول فيه تمثيل التحوّل الذي أصاب البلاد جرّاء استلام الضُباط الأحرار للسلطة في 1952. قسّم حقي تلك الحكاية الأليجورية إلى عهدين (الأمس / واليوم) في حياة قرية رسمها بخيال يشبه حكايات الأطفال. وقد ركّز حكيه عن مجموعة معينة من سكانها، هم رواد حانة لا أظن أن الريف المصري عرف مثلها قط. ويمثّل رواد الحانة شخصيات “فردانية” لا تنتمي إلى ملح الأرض من عموم أهل البلدة، أشخاص يجنحون خارج مجرى الحياة اليومية المبتذل الغارق في الفقر والتخلّف نحو همومهم الفردية وتأملاتهم ونزعاتهم الفنية، ليليون وأهل ظلال تجمعهم الحانة والانشراح الثمل للكحول. يكتب سيرتهم واحد منهم، لا نعرف له ملامح ولا وظيفة غير أنه يدوّن يومياته. وتنام القرية وتصحو كل يوم في الإيقاع الهادئ المستسلم نفسه بينما يمرُّ القطار بضجيجه من مسافة عنها، كأنه طاحونة الحداثة تُجعجع من بعيد. حتى يصل إلى القرية من يسميه الكاتب بـ”الأستاذ” وهو أحد أبناء الأعيان كان قد سافر للدراسة في العاصمة وعاد بعد حصوله على الشهادات لـ “يعدِّل” أوضاع البلد المائلة، وقد درسها عن بعد، عن طريق “كشافة” كوَّنها من شباب القرية المتحمِّس للتغيير المتعطِّش للعدل والتقدُّم. وبعد أن يستلم “الأستاذ” قيادة القرية، يكون أول الإجراءات التي يتخذها هو إغلاق الحانة، التي تمثِّل بؤرة للرذيلة والتراخي والتعطل (من وجهة نظره) فيتشت شمل روادها. ويمرض كاتب المذكرات ويسافر في رحلة علاجية تطول لشهور يعود بعدها ليُفاجأ بأن شريط القطار اتصل بقريتهم أخيرًا، وصارت لها محطة رسمية! وبعد عودته يحرص الكاتب على تأمل الأحوال الجديدة في البلدة ومجتمعها وبالذات صحبته القديمة من رواد الحانة، ليجدهم جميعًا قد انضبطوا في ماكينة المجتمع الجديد، وبمفارقات تخصّ كل حالة على حدة. مثلًا: صاحب الحان وجده وقد غير مهنته إلى حفّار قبور! أما الجزَّار، وهو من أعمدة الحان السابقين، وشخصية رمزية مثيرة للتأمل نحتها حقي، والذي كان يصمت مُشفقًا على نزوات زوجته مع شاب فقير رث. وبينما كان الأهالي فيما مضى يتهامسون سرًا وعجبًا حول مثلث العشق هذا، تحوَّل الموضوع في المجتمع الجديد إلى فضيحة، وانصبّت اللعنات وتهمة “الدياثة” تلاحق الجزّار أينما سار وقد وجد في طريق التصوّف ملجأ جديدًا بديلًا عن الخمر وسلواها. لا أسرار ولا ظلال ولا جيوب للانزواء تحت ضوء العصر الجديد وعين الأخ الأكبر/ الأستاذ الملمّة والمطلعة على كل الأحوال. وعندما يلتقيه كاتب المذكرات في نهاية الكتاب يُفاجأ أنه مطّلع حتى على مضمون مذكراته الشخصية تلك نفسها، وهو أي الكاتب لا يعرف كيف وصلت له فاطلع على مضمونها، وعندما يطالبه الأستاذ بتأدية واجبه نحو البلدة، يُخبرنا الكاتب/ يحيى حقي، أنّه “ها قد فعلت”. وتلك هي جملة الختام في الرواية. وتستحق تلك الرواية الفريدة دراسة خاصة بها فبين ثناياها، وبتلك الخفة الماكرة، بثّ حقي فلسفته في الكتابة وقال رأيه في عصر برمته بتكثيفه المعهود. لم تكن كاميرا الزمن إذن التي تلتقط الصورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة، كانت كاميرا الزعيم الأوحد وعينه المطلّعة على كل شيء حتى المذكرات السرّية.
انتقل المجتمع أيضًا من الطفولة إلى النضج والتكليف. لا مجال للّعب هنا والآن ؛ بل أن حتى الاطفال في الطور الجديد مكلَّفون مسؤولون
” كلنا كدة في الصورة زمايل نوفي اللي ميثاقنا عليه قايل.. من أصغر طفلة بجدايل على زَرَعَ وحَصَدَ بتتمايل… للفلاح ابو خير جمايل للواعظ حافظ القرآن.. للجندي الأسد اللي شايل على كتفه درع الأوطان“.
وتبدو الليلة الكبيرة وكأنها تحية من صلاح چاهين لعالم قديم يختفي ويتراجع كما تتراجع الطفولة واللهو والغفلة لصالح النضج واليقظة والمسؤولية. وقد بدا الأوبريت دومًا كعملٍ يجتذب الأطفال كأي عمل فني بالدمى؛ ولكن هل هو حقًا موجّه للأطفال يأخذهم في اعتباره ويمثلهم؟! وبخلاف مجموعة من الدمى تمثل كومبارسات للأطفال تسير وسط مجاميع المولد وصوت كورال الأطفال المعبِر عنهم تتبدى الطفولة مشخصنة في العرض مرتين فقط، هناك أولًا الطفل المختون في زفة المطّاهر، وهناك ثانيًا حسناء آرل، وهو مصطلح درامي يشير إلى الشخصية التي نسمع عنها فقط في العمل لكنها لا تظهر قط، ونعني هنا “البنت التايهة” التي تبحث عنها أمها في فقرة العرض الختامية : “يا ولاد الحلال، بنت تايهة طول كدة… رجلها الشمال فيها خلخال زي ده”.
وفي قفلة الأوبريت يعلّق شحاذ عابر بجملة كأنها الحكمة الختامية “زحمة يا ولداه.. كام عيّل تاه” ثم ينطلق صوت الكورال الرجالي في ترديد التيمة الرئيسية “الليلة الكبيرة والعالم كتيرة.. ماليين الشوادر يابا م الريف والبنادر”. حدث التيه وكأنه قدر محتوم أن يضيع الأطفال في الزحام، ولكن الحياة تستمر والليالي الصاخبة تتوالى. ثم يُرفع آذان الفجر بصوت الشيخ سيد مكاوي بنفسه يعلن انتهاء الليلة. وما من شيء يدلّ على أن التائهة قد عُثر عليها. في مثل هذه الاحتفالات يُختن الأطفال ثم يضيعون. يخاطب الأوبريت متلقيه الصغير باسم فزعين كبيرين يعرفهما جيدًا كأكثر شبحين يؤرقان الطفل المصري. على رأس هؤلاء الأطفال الطفل الكبير صلاح چاهين نفسه والذي تسرب منه ذلك الخوف بشكل لاواعٍ أثناء الكتابة نحو متلقيه الصغير. أن يتعرض لخبرة البتر التناسلي شديدة الإيلام ثم أن تنفلت يده من يد أحد والديه ليضيع في الزحام. ولا نعرف إلى أين يقود هذا التيه. الرعب من البتر التناسلي بسبب الختان يتجاوز المفهوم الفرويدي عن “خوف الخصاء” كونه يحتل مستويات أعلى من الوعي وفي نطاق الذاكرة والإدراك اللغوي، وهو في الحالة المصرية هنا، كان، ولا يزال بشكل نسبي، يطال بتهديده الفتيات كما الصبيان. فبعد أن ينتهي الرقص وتصمت الأغنيات، وتروح بهجة العرائس التي تتلاعب وينفضّ المولد، ماذا يترسب في النهاية في وجدان طفل؟!
قال چاهين مرة إنه كتب “الليلة الكبيرة” ليتغلّب على خوفه من القاهرة. وعلى الرغم من ميلاده فيها فإنه لم يعرف العاصمة إلا في بدايات شبابه بعد أن قضى طفولته متنقلًا بين مدارس الأقاليم في قبلي وبحري وفقًا لحركة تنقلات والده الوظيفية في سلك القضاء. أفلا يكون ذلك الخوف هو همزة الوصل بين العالمين، بين حشد المولد الغائب صاحبه المقترن بالتيه والألم الممض إلى حشد المؤمنين في العيد حيث لا تيه ولا ألم، وحيث “الكل يلقى الكل لو يطل“؟
زحمة يا ولداه… كام عيّل تاه
كنا أنا وعاطف عيالًا، نتلّقى مصروفنا من أهلنا ما نزال، لكننا كنّا أكبر وأصيع من أن نضلّ. بعد انتهاء حفل عبده الاسكندراني، سلكنا عائدين، كمسعد وعمارة شارع الترماي. لكن في الاتجاه المعاكس للحسين، نحو الطرف الجنوبي الأخير لشارع بورسعيد، والذي يقود إلى منطقة السلسلة، حيث “جنينة ناميش” التي ذكرها يوسف السباعي، ومنها نحو أبو الريش حيث محطة المترو الذي لا ينام ولا تتوقف عرباته في الليلة الكبيرة. كان المولد يلملم ديكوراته، تُفكَك السرادقات وتُحمَّل خيامها وأوتادها الخشبية الكبيرة على عربات الكارو. ضوء الفجر يطلّ من فوق البيوت القديمة على تلال زينهم وأسفلت الشارع ينوء بمخلفات ملايين المحتفلين. مكبّرات الصوت من الجوامع الكبيرة وعشرات المساجد كانت تتنحنح للفجر دون توقع أن يرفعه الشيخ سيد مكاوي، بينما أصحاب الأراجيح يدفعونها على عجلاتها نحو مولدٍ آخر في مدينة أخرى.
أوعد يا رب اوعد…
ياسر عبد اللطيف في ٢٣ يوليو ٢٠٢٤